بقلم - إسراء صابر
قد يخدعك أيها القارئ العزيز هذا العنوان فتظن أنها مقالة للحديث عما حدث في مباراة مصر العالمية مع فريق الأرجنتين في كأس العالم 2026، والتي أبدعت بها مصر وكانت كأنها حلم جميل لم يكن بمقدورنا مجرد الظن بأنه قد يحدث وها قد حدث بالفعل فكانت المباراة بمثابة سطراً جديداً في تاريخ مصر الطويل والحافل بالإنجازات التي عجز العقل البشري عن استيعاب أن المصري هو الذي صنعها بالفعل، وكأنه من الممكن اعتبار هذا التاريخ الممتد مباراة طويلة الأمد لمصر ...
مصر التاريخ ومهد الحضارات وفجر الضمير .. أمة عظيمة صنعت التاريخ الإنساني وانتقلت بالحياة الإنسانية من مرحلة اشباع الغرائز وسد الاحتياجات المعيشية إلى مرحلة تكوين الوعي والهوية وتعزيز الضمائر الإنسانية وتهذيب النفس والسلوك ... فأكثر ما يتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات المحيطة به أو تلك التي عاشت يوماً ما على تلك الأرض ذاتها أن الإنسان لديه كيان ووعي بذاته وانتماءاته .. يستطيع أن يراكم الخبرات الحياتية التي يمر بها في ذاكرته ويمارس التحليل النقدي ويخلص إلى نتائج تجعله متعايشاً مع واقعه وبيئته بشكل أفضل وقادراً على تكوين الروابط الاجتماعية التي أدرك بفطرته أنها مفتاح النجاة وسط طبيعة قاسية وهي سر بقاؤه ومكمن قوته وتفوقه على الظروف البيئية وعلى أقرانه من بني جنس الهومو المنقرضة حالياً ... لا أحد يستطيع إنكار دور الحضارة المصرية في تعزيز العقل والوعي البشري والارتقاء به عبر مختلف الفنون والهندسة والعمارة وغيرها من العلوم والتي يقف المنطق أمامها حائراً الآن يتساءل كيف فعلها المصريون .. كيف لأناس عاشت حياة بدائية قبل آلاف السنين من أن يطوروا كل هذا المعمار الشامخ ويصلوا لكل تلك العلوم والفنون والهندسة والرياضيات ... كيف طوعوا أدواتهم البسيطة وتحملوا العمل اليدوي الشاق وتعاملوا بجرأة وتحدي مع أصلب أنواع الحجر وأقساها لتصبح بين أيديهم لينة قابلة للتشكيل والنحت والصقل لتظهر جمالاً كامن بها استطاع المصري القديم أن يخرجه للعالم بالإرادة والعمل المضني واللمسة الفنية والجمالية التي استمدها من جمال المناظر الطبيعية الخلابة المحيطة به في وادي النيل والدلتا بحقولها الغناء التي أسماها (جنات ايارو) والتي طالما حلم أن يخلد إليها ولا يفرقه عنها الموت فتشكلت معتقداته بأنه لكي يخلد في جنات مصر عليه أن يكون أهلاً لذلك من خلال العمل الصالح الذي يُعرض على التاسوع المقدس عاشقي مصر وترابها وهم من يقررون له البقاء في جنات ايارو أو الفناء ... هذا المعتقد كان هو المحرك الرئيسي للمصريين في بناء الأهرامات المتعددة والتفوق في شتى المجالات التي تؤهلهم للوصول للفلاح في العمل وتطوير العمارة والفنون وحتى الأساليب الزراعية وما يرتبط بها من أعمال ري وحفر للترع والقنوات وبناء للسدود، وبالطبع التفوق التجاري وبناء أواصر التجارة مع المجتمعات الأخرى لإنعاش الاقتصاد الذي يضمن تطور العلوم والفنون والابداع ويحمي البلاد من خلال بناء جيش قوي قادراً على ردع من تسول له نفسه أن يغير على تلك البلد المقدسة ...
وكأي حضارة عظيمة وأمة ناجحة كانت مصر مطمعاً لأعدائها في الداخل والخارج ... ولا عجب من قول أنه كان لها أعداء داخليين من المتسللين ساكني الصحاري المحيطة الهاربين من القحط والجفاف وقلة الموارد في مواطنهم والطامعين في رغد العيش في كنف مصر التي طالما كانت فاتحة ذراعيها لكل من يستجير بها .. وخير مثال على ذلك قبائل الهكسوس وقاطعي الطرق من القبائل الآسيوية التي كانت تتخذ من ساحل البحر الأحمر مأوى لها ... ولطالما استغلت أعداء مصر أوقات ضعفها المنبعثة من داخل نقطة قوتها وهي الاعتماد على الزراعة لتوفير الموارد التي تعتمد عليها البلاد في بناء حضارتها، فكانت تمر مصر أحياناً بسنوات عجاف تندر بها الأمطار ويتضرر بها المحصول وتقل الموارد فكانت تتعطل حركة العمل والإنتاج وتدخل مصر في مرحلة من الضعف والانقسامات الداخلية وتكون فريسة سهلة المنال ... ولكن لا يستمر الأمر كذلك ففي وقت ما يتوحد المصريون وراء قائداً عظيماً أو بطلاً شعبياً أو زعيماً فيهبوا ويثوروا على الدخيل المستغل للبلد ويسترجعوا وطنهم أو على الأقل يظهروا بطولة لا غبار عليها .... لطالما مصر كانت مطمعاً للآخرين حتى في أوقات السلم فنجد من يدّعون انتساب إنجازات مصر وحضارتها لهم مثل حركة "الأفروسنتريك" وغيرهم من الشعوب التي لم نرى إنجازات مماثلة أو حتى تدنو منها في بلادهم وكأنهم فقط جاءوا مصر يبنوا أهرامات ثم ينتقلون لبلادهم ليستريحوا من هذا العناء .. وإن لم تكن شعوب أخرى فليكن الفضائيين ولنأتي على ذلك بأدلة من كتب الخيال العلمي وبشهادات من هواة علم المصريات المضللين ... أهم ما في الموضوع هو أنه لابد أن نبعد أي حضارة أو انجاز عن المصريين حتى لا يصدقون في أنفسهم ولا يكررون ما فعلوه مرة أخرى..
لكن في هذه المرة ومن خلال بطولة واحدة عبارة عن خمسة مباريات، التففنا حول قائداً وطنياً وصدقنا في أنفسنا أننا نستطيع أن نفعل انجازاً كروياً يضاف لسجلنا الحافل وأننا بالفعل أحفاد المصريون القدماء صانعوا الحضارة والتاريخ وأننا أبناء وأحفاد من ضحوا بأرواحهم في حرب أكتوبر رغم المستحيلات والصعاب فكانت النتيجة أننا عيشنا حلم جميل مدته 78 دقيقة نحدق في الشاشات غير مصدقين أن من أمام أعيننا هو منتخب مصر المكون من مصريين حتى النخاع من أبطال الدوري المحلي، يلعبون كأنهم منتخب عريق دائم الترداد والفوز بكأس العالم ومكبلين حامل اللقب بسلاسل من المهارة لم يقدروا على كسرها سوى بتوجيه الركلات والصفعات للاعبي المنتخب المصري في غفلة متعمدة من التحكيم قبل أن تصير السلاسل مكبلة للاعبي المنتخب المصري بظلم تحكيمي طالما شهدته مصر في حياتها من سارقي حضارتها وآثارها وكنوزها وفارضي الجباية والخراج عليها ... وبهذا سرق انجازاً آخر من مصر لكن يبدو أنه قد أيقظ في نفوس المصريين مرارة إحساس الأولين من الأجداد بالظلم وهم يرون أراضيهم وكنوزهم وتاريخهم ينهب ويسلب ... وكأنها أصبحت جزء من الذاكرة المتوارثة عبر الآباء والأجداد ... وهي التي كانت بمثابة شرارة الغضب التي أشعلت نفوس المصريين فتوجهت ناحية اتحاد الكرة الدولي "الفيفا" والحكم الفرنسي واتحاد الكرة الأرجنتيني وتحول الحب الجارف لفريق الأرجنتين ولاعبه الموهوب ميسي في قلوب المصريين إلى غضب يملأ النفوس ويدفعهم إلى الإطاحة بكل ما يرمز لهذا الفريق الذي طالما ارتبط المصريون به كروياً وارتدى قميص لاعبه الأشهر ليونيل ميسي العديد من عشاق الساحرة المستديرة من أبناء كيميت، بل والدعوة إلى مقاطعة السلع الغذائية التي تحمل صورة هذا اللاعب ... ورغم أنها فورة غضب مؤقتة مقصود بها عدم محاباة فريق دون الآخر وخاصة أن فريق الأرجنتين ولاعبيه الأشهر سواء مارادونا أو باتيستوتا أو ميسي وغيرهم يحظون بحب وتشجيع المصريين منذ زمن، إلا أنها تذكرنا بثورات المصريين عبر التاريخ بداية من الثورة على الهكسوس مروراً بثورات البشموريين ضد الدولة الأموية والعباسية وحتى ثورة عرابي وثورات مصر الحديثة، وكأنها امتداد لها. ثورات مختلفة ضد جهات مختلفة ولكن منبعها واحداً وهو تجرع مرارة الإحساس بأن شيء ما يسرق منا سواء كان ذلك هو أرض مصر ... خيراتها ... حضارتها ... عقولها وعلمائها .... أو إنجازها الكروي.





