محرر الأقباط متحدون
"إن كل لفتة احترام تجاه الخليقة تتحول أيضاً إلى لفتة ملموسة للمحبة تجاه القريب، لا سيما تجاه الأشدَّ فقراً، والذين هم دائماً أول من يتحمل عواقب التلوث والحروب والتغيرات المناخية" هذا ما قاله عميد دائرة خدمة المحبة مترئسًا القداس الإلهي في إطار مبادرة "غداء مع البابا" في حدائق كاستيل غاندولفو

في إطار مبادرة "غداء مع البابا" التي جمعت نحو ٢٠٠ شخص من الفئات الأكثر هشاشة من سُكّان روما في حدائق القصر البابوي في كاستيل غاندولفو، ترأس عميد دائرة خدمة المحبة المطران لويس مارين دي سان مارتين القداس الإلهي عاونه فيه الكاردينال بالداساري رينا، النائب العام للبابا على أبرشية روما والكاردينال فابيو باجيو، المدير العام لمركز كُن مُسبّحًا للتعليم العالي، وللمناسبة ألقى المطران دي سان مارتين عظة شدّد فيها على الرابط الجوهري الذي لا ينفصم بين العناية بالخليقة وأعمال المحبة تجاه القريب، لاسيما الفقراء والمهمشين. وأكد باسم الحبر الأعظم أن الإيكولوجيا الحقيقية وحماية البيئة تنبعان بالدرجة الأولى من "قلب متجدد وتائب" يرفض الأنانية والاستهلاك المفرط، ويترجم احترامه للطبيعة كعطية إلهية وبيت مشترك إلى مواقف ملموسة من التضامن والمشاركة مع الإخوة الأشد عوزاً الذين يتحملون أولاً عواقب التلوث والتغيرات المناخية.

قال عميد دائرة خدمة المحبة "المسيحُ يَسوعُ هو صورة الله الذي لا يرى وبكر كل خليقة. ففيه خلق كل شيء مما في السماوات ومما في الأرض ما يرى وما لا يرى". نحن مدعوون اليوم للتأمل في بُعدين لا ينفصلان في الحياة المسيحية: العناية بالخليقة والمحبة. قد يبدوان لأول وهلة موضوعين مختلفين، لكنهما في الواقع ينبعان من الجذع عينه: المحبة. فمن يحب الله يحب أيضاً ما خلقه الله، ويحب كل شخص يوكله الله إليه. وبالنسبة للقديس أوغسطينوس، فإن العناية بالخليقة هي جوهرياً فعل محبة وتأمل؛ إذ يعكس الكون جمال صانعه، ولذا فإن تأمل الطبيعة يشبه قراءة كتاب خطّه الله، وتدفعنا فيه كل خليقة إلى تسبيح الخالق ومحبته.

تابع المطران دي سان مارتين يقول فمنذ الصفحات الأولى للكتاب المقدس، نقرأ أن الله، بعد أن خلق العالم، رأى أن "ذَلِكَ كَانَ حَسَنًا جِدًّا". فالخليقة ليست مجرد مجموعة من الأشياء الصالحة للاستخدام؛ بل هي عطية، وبيت مشترك، أُوكل إلى مسؤولية الإنسان. ويدعونا البابا لاوُن الرابع عشر إلى النظر إلى العالم بعيون جديدة، لا كشيء نستهلكه بلا حدود، بل كبيت مشترك علينا احترامه. ويؤكد في صلاته من أجل العناية بالخليقة أن كل مخلوق هو ثمرة محبة الله وله مكانته في هذا العالم. كما يذكرنا بأن العالم هو "أكثر بكثير من مجرد مشكلة ينبغي حلها، بل هو سرٌّ نتأمله بامتنان ورجاء". هذه الكلمات تساعدنا لكي نفهم أن الطبيعة ليست مجرد مورد، بل عطية ثمينة علينا حمايتها.

أضاف مسؤول مكتب الكرسي الرسولي المعني بأعمال المحبة لصالح الفقراء باسم الحبر الأعظم يقول وإن هذه الكلمة، "الحماية" هي جميلة وجليلة المعنى؛ فالذي يحمي هو الذي يحب. الأم تحمي طفلها، والأب يحمي عائلته، والصديق يصون الأمانة التي أُودعت لديه. وهكذا أيضاً، فإن المسيحي مدعو لحماية الخليقة، عالماً أنها تخص الله وأنها عطية من الله. بيد أن العناية بالخليقة لا تقتصر على غرس شجرة، أو تجنب الهدر، أو احترام البيئة. كل هذا مهم، ولكن هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير؛ فالإيكولوجيا الحقيقية تولد من قلب متجدد وتائب. فإذا كان الأنانية تسود القلب، فسنستهلك كل شيء بدون أن نفكِّر في الآخرين. أما إذا كانت محبة المسيح تسكن القلب، فستتعلم أن نعيش بزهد، وامتنان، واحترام.

تابع عميد دائرة خدمة المحبة يقول وهنا يكمن الرابط بالمحبة. ففي كل مرة نهدر فيها الطعام أو الماء أو الموارد، ننسى أن الكثيرين من إخوتنا محرومون منها. إن كل لفتة احترام تجاه الخليقة تتحول أيضاً إلى لفتة ملموسة للمحبة تجاه القريب، لا سيما تجاه الأشدَّ فقراً، والذين هم دائماً أول من يتحمل عواقب التلوث والحروب والتغيرات المناخية. إنهم الأكثر هشاشة، وهم يتحولون بالنسبة لنا إلى نداء ومطالبة بالأصالة. أليسوا هم أفضل من طيور السماء؟

أضاف المطران دي سان مارتين يقول لقد دُعينا جميعاً إلى ملء المحبة. نحن نعرف معلومات ومفاهيم عن الرب، ولكننا ربما لا نعرفه شخصياً؛ نقول إننا نحبه، لكننا لا نصغي إليه؛ نقول إنه حياتنا، لكننا نتجنب أبناءه الأحباء: الفقراء، والأخيرين، والمهمشين. وأحياناً نشعر بالنفور من لمس جسد المسيح الجريح؛ نحتفل بالإفخارستيا، لكننا نجعل منها روتيناً رتيباً ولا نلتزم بتحويل وجودنا إلى حياة إفخارستية. إلى أين تتجه نظراتنا؟ وأين هي قلوبنا؟ من الضروري أن نغيِّر مسارنا، ونعتمد معايير الإنجيل، ونتعلَّم أن ننظر إلى الآخرين بنظرة الله. فالمحبة، في الواقع، لا تكمن فقط في إعطاء شيء لمن هو في ضيق؛ بل المحبة هي أسلوب حياة. وهي تعني تعلم المشاركة، وعدم التكديس، والتفكير في الآخرين قبل أنفسنا. كما تعني الاعتراف بأن كل ما نملكه هو عطية نلناها، ولأنها عطية بالذات، يجب أن تصبح عطية للآخرين.

تابع عميد دائرة خدمة المحبة يقول لقد أظهر لنا يسوع هذا الأسلوب طوال حياته؛ فقد كان يتأمل الطبيعة بعيون ملؤها الدهشة: فتحدث عن زنابق الحقل، وطيور السماء، والزرع الذي ينمو، والكرمة والأغصان. وكانت الخليقة بالنسبة ليسوع بمثابة كتاب كبير يروي محبة الآب. وفي الوقت عينه، كان يكرس حياته كلها للفقراء والمرضى والمهمشين. وفيه نرى أن محبة الله، ومحبة الخليقة، ومحبة القريب هي حقيقة واحدة متكاملة. "فقد حسن لدى الله أن يحل به الكمال كله. وأن يصالح به ومن أجله كل موجود مما في الأرض ومما في السماوات". ويعلمنا القديس فرنسيس الأسيزي أيضاً هذا الانسجام في المسيح يسوع، المحبة المتجسدة، الله معنا. فقد كان يدعو الشمس "أختًا"، والقمر "أخًا"، والماء "الأخت ماء". ولم يكن ذلك لأنه يعبد الطبيعة، بل لأنه كان يرى في كل مخلوق انعكاساً لمحبة الخالق التي تجلت في الرب يسوع. ولذلك بالذات، فإن هذا القديس الذي أحب الخليقة كثيراً، كان أيضاً قريباً جدًّا من الفقراء والأخيرين. وتذكرنا حياته بأنه لا يمكن أن توجد عناية حقيقية بالطبيعة بدون العناية بالشخص البشري.

أضاف المطران دي سان مارتين يقول فلنسأل أنفسنا إذن: كيف يمكننا عيش هذه العناية بالخليقة بشكل ملموس؟ ليس هناك حاجة إلى مبادرات استثنائية. نعم، يمكننا أن نبدأ بالأمور الصغيرة: كتجنب الهدر، واستخدام ما لدينا بمسؤولية، والحفاظ على نظافة الأماكن التي نعيش فيها، واحترام الحيوانات والنباتات، وتعليم الأطفال الامتنان لعطايا الطبيعة. ولكن، وبشكل خاص، يمكننا ممارسة المحبة كل يوم: بزيارة شخص وحيد، أو كلمة تعزية، أو تقديم مساعدة ملموسة لعائلة في ضائقة، أو لفتة صفح. إن تلوث القلب يقودنا إلى أشكال أخرى من التلوث المادي والبيئي؛ لذا يجب أولاً شفاء النفس وتطهير القلب: "فاطلبوا أولا ملكوت الله وبره تزادوا هذا كله".

وختم عميد دائرة خدمة المحبة عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات، إن العالم بحاجة إلى مسيحيين يعرفون كيف يحمون ويشاركون. أن يحموا الخليقة كعطية من الله، ويشاركوا الخيرات بقلب سخي. هذه هي المحبة التي تغير المجتمع: ليست محبة تقتصر على الكلمات، بل تُبنى على خيارات يومية. لنطلب من الرب أن يمنحنا نظرة جديدة: نظرة قادرة على رؤية جماله في الطبيعة، ورؤية وجه المسيح في كل شخص. هكذا يصبح إيماننا ملموساً، ومحبتنا ذات مصداقية، ويكون التزامنا تجاه الخليقة تسبيحاً مستمراً للخالق. لنوكل أنفسنا إلى العذراء مريم أمنا، التي عرفت كيف تحمي ابن الله بمحبة وتعلمنا أن نحمي كل عطية ننالها. فلترافقنا لكي نعيش حياة بسيطة، سخية، ومتنبهة للإخوة وللخليقة بأسرها. تبارك اسم يسوع المسيح.