القمص يوحنا نصيف
    في حديث القدّيس بولس الرسول، لأساقفة وكهنة وخُدّام منطقة أفسس وما حولها، ذَكَر قبل ختام كلامه عبارةً عجيبة قال فيها: "اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلَاثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (أع20: 31).

    توقّفتُ طويلًا عند هذه العبارة، وبالذّات حالة القدّيس بولس الرسول وهو يعلّمهم ويُنذرهم بدموع. فما سِرّ هذه الدموع؟ وما معناها؟ ولماذا كان يبكي وهو يَعِظُهُم ويبكّتهم؟!

    فكّرتُ أنه ربّما كانت هذه الدموع لسبب أو أكثر من هذه الأسباب الخمسة:
أوّلًا: دموع حُب واهتمام:

    لقد كانت محبّته لهم شديدة، وخلاص نفوسهم ماثلًا باستمرار أمام عينيه، لذلك كان يضع عصارة مشاعره في كلّ كلمة يقولها، ملتمسًا أن يتفاعلوا معها..
    لقد كان باكيًا على مصلحتهم؛ يشرح لهم مقدار الغنى الممنوح مجّانًا لأولاد الله، مُحَذِّرًا إيّاهم لئلّا يخيب أحد من نعمة الله (عب12: 15)، ونائحًا على الذين سقطوا ولم يتوبوا عن نجاساتهم (2كو12: 21).

ثانيًا: دموع اتّضاع وتذلّل.. واحترام لحرّيّة الإنسان:
    على الرغم أنّ وصايا الله جميلة، وفي مصلحة الإنسان باستمرار، ولأجل حياته وسعادته وحرّيّته، إلّا أنّ البعض يرفضها بعناد غريب، والله يحترم هذا الاختيار الخاطئ إذ هو يحترم حرّية الإنسان بوجه عام.. مثلما وقف تجاه أورشليم وبكى عليها، إذ أنّها لم تتجاوب مع إرادته الصالحة من جهتها.

    هكذا كان القدّيس بولس يعلِّم ويكرز باتّضاع، ويتذلّل لأولاده حتّى يتوبوا بصدق، ويقبلوا تبكيت الروح القدس لهم، ويتطهّروا بالنعمة المُعطاة للتائبين في الأسرار المقدّسة.. ولكنّه في نفس الوقت يحترم حرّيّتهم في قبول عمل النعمة، فإذا رفضوها تنساب دموعه في مخدعه من أجلهم.. ويظلّ يُنذرهم بدموع وطول أناة لعلّهم يستفيقوا من فخّ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته (2تي2: 26).

ثالثًا: دموع حرص على عدم ضَياع الخلاص الثمين:
    كلّنا نعرف أنّ الربّ يسوع برحلة تجسّده منذ بدايتها، عبورًا بالصليب والقيامة والصعود وانسكاب الروح القدس علينا، هو يقدّم لنا خلاصًا ثمينًا، ينبغي أن نكون حريصين على الثبات فيه وعدم إهماله، بل نتمّم رحلة الخلاص معه بخوفٍ ورعدة (في2: 12)، ونتمثّل بالذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد (عب6: 12).

    ربّما هذا ما كان يفكّر فيه القدّيس بولس وهو ينذرهم لكي يثبتوا في طريق الحياة الأبديّة، فكيف يمكن أن ينجو الإنسان إذا أهمل خلاصًا هذا مقداره (عب2: 3)؟ لذلك إذ كان قلب الرسول يدرك أن إهمال الخلاص هو خسارة فادحة لا يمكن تعويضها، صارت كلماته لهم ممزوجة بالدموع، لكي ينتبهوا ويثابروا في مسيرتهم الروحيّة، وفي تركيزهم على نقاوة قلبهم التي بدونها لا يرى أحدٌ الله (مت5: 8، عب12: 14).

رابعًا: دموع صدق وإخلاص.. وليس لأيّ منفعة شخصيّة:
    في كلّ جيل -للأسف- يوجَد من يخدم الله لأجل منافع شخصيّة أو مصالح مادّية.. وقد تحدّث القدّيس بولس في مَرّة عن مِثل هؤلاء، بأنّهم يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح (في2: 21).. هذا النموذج من الخُدّام يكون تعليمهم ليس بالروح، بل مُجَرّد إبهار بالمعلومات، واستعراض للمهارات البلاغيّة، من أجل استمالة البسطاء وتكوين شعبيّة، متحدّثين بأمورٍ ملتوية لكي يجتذبوا التلاميذ وراءهم (أع20: 30).

    أمّا القدّيس بولس فقد كان واضحًا عندما قال: "إنّنا لسنا نكرز بأنفسِنا، بل بالمسيح يسوع ربًّا، ولكن بأنفسِنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (2كو4: 5). وهكذا كانت خدمته مُشَبَّعة بروح الصدق والإخلاص، ولهذا كانت مُمتزِجة بدموع الصلوات والحُبّ والعطاء والصبر، من أجل تكميل القدّيسين وبنيان الكنيسة (أف4: 12).

خامسًا: دموع إنسان مغمور ومُحاصَر بمحبّة المسيح ومراحمه:
    أخيرًا، أتصوّر أن دموع القدّيس بولس المستمرّة كانت نتيجة اشتعال قلبه بمحبّة المسيح، فقد كانت هذه المحبّة هي أعظم ما يتمتّع به ويتغنّى به في كلّ وقت، فيقول إنّ محبّة الله قد انسكبَت في قلوبنا بالروح القدس المُعطَى لنا (رو5:5)، ومحبّة المسيح تحصرنا (2كو5: 14)، ومَن سيفصلنا عن محبّة المسيح؟ (رو8: 35)..

    هكذا كانت المحبّة والمراحم الإلهيّة المنسَكِبة من الصليب هي موضوع كرازته باستمرار، واثقًا أنّها هي أعظم قوّة جاذبة للنفوس ومُغَيِّرة للقلوب.. فهي التي غيّرَت حياته عندما تلامس معها، وهي قادرة أن تُجَدِّد حياة كلّ إنسان يُجرَح قلبُهُ بها