د. سامح فوزى
دُعيت الأسبوع الماضى للحديث عن مستقبل الحوار الإسلامى المسيحى فى المنطقة العربية ضمن فاعليات الملتقى الذى نظمته شبكة مراكز العلاقات المسيحية الإٍسلامية، التى نشأت عام 2024، وحضره مشاركون من إفريقيا، والمنطقة العربية، وآسيا، وتحدثت فيه قيادات وممثلون عن المؤسسات الدينية المصرية، الإسلامية والمسيحية. ويمثل انعقاد المؤتمر فى قلب القاهرة تأكيدًا لمكانة مصر فى مجال التعددية الدينية، وهى صاحبة التجربة العريقة فى العلاقات الاسلامية المسيحية، وتمتلك خبرات عميقة تستحق أن تروى، وتوثق، رغم ما يحيط بتلك التجربة من تحديات.
ويٌعرف الحوار الإسلامى المسيحى فى الخبرة المصرية بحوار الحياة الممتدة، التى تقوم على الامتزاج بين مكونات الشعب المصرى فى التاريخ والحاضر والمستقبل، ويتجسد فى التواصل فى السكن، والعمل، ومجابهة تحديات الحياة،وهى علاقة- وصفها لى يومًا الراحل الدكتور رشدى سعيد- بأنها تقوم على المودة والإخاء، ولكن هناك من يبث فيها الشك والريبة. هذه إشكالية شبه دائمة، حيث تمضى العلاقات الاسلامية المسيحية على مدى قرون ممتدة على درب التعايش، والثقافة المشتركة والحياة الواحدة والانسجام الاجتماعى والانحياز للهوية المصرية من ناحية، وتعترض سبيلها محاولات لا تهدأ من التفرقة والشقاق، التى تقف وراءها قوى خارجية، ومتطرفون، وطائفيون، وضيقو الأفق،فى ظل عدم وعى يسود قطاعات من المجتمع من ناحية أخرى. فى السنوات الأخيرة،ظهرت مساحات أفضل لحوار إسلامى مسيحى أعمق، وهى تظل إمكانات أو فرصا تتطلب الإفادة منها،وتظل محدودةالتأثير إذا لم يٌستفد منها.
أبرز هذه الإمكانات وجود انفتاح بين المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، قياسا بما كان عليه فى السابق، والذى تمخض عن عقد فاعليات مشتركة، فى رحاب الأزهر ودار الافتاء ووزارة الأوقاف، وهيئات مسيحية عديدة، أوجدت جميعا خطوط تواصل، وعلاقات ايجابية بين شخصيات دينية ومثقفين من الجانبين، ورافق ذلك انفتاح المنافذ الإعلامية الدينية مثل تجربة «صوت الأزهر» فى الحديث عن المسيحيين، والقنوات الفضائية المسيحية فى استضافة مشاركات من مسلمين فى مجالات عديدة، وظهرت تجليات كثيرة للتفاعل الإسلامى المسيحى فى سياق المجتمع المدنى ما بين انشطة اقتصادية، ومبادرات شبابية، وفاعليات ثقافية، تعزز ثقافة المواطنة والعمل المشترك، كثير منها لم يسلط عليه الضوء، وقد قمت بتوثيق بعض من هذه التجارب فى دراسة، بدعم من الأمانة الفنية للجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، ونشرتها مجلة «الديمقراطية»، الصادرة عن مؤسسة الأهرام.إلى جانب ذلك نلمس رغبة قطاعات عديدة من المواطنين فى تعزيز العلاقات الاسلامية المسيحية فى كل مبادرة جادة، يستشعرون فيها أن هناك شيئا يجمعهم، وروحًا متجددة تبث فى وجدانهم وعقولهم، ولاسيما مع بروز ظواهر إنسانية، واخلاقية، واجتماعية مقلقة، تحتاج إلى التقاء فى مواجهتها. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك لا يتسع المقال للحديث عنها.
ورغم أن هناك إمكانات متاحة للحوار، والتفاعل بين المسلمين والمسيحيين، والتى لا يٌستفاد منها- فى رأيي- على النحو المأمول، تظهر تحديات، لا يجب التهوين منها، أو اعتبار أن الحل الأمنى وحده يكفى للتعامل معها. فى مقدمتها حالة السجال العقيدى التى تجتاح مواقع التواصل الاجتماعى، وتبث روح التعصب والكراهية، وتبعث على التجرؤ فى الحديث عن عقائد الآخرين، وهى ظاهرة لم تكن على هذا النحو من الانتشار فى الخبرة المصرية، يضاف إلى ذلك النزعة إلى «تطييف» الأحداث، أى إسباغ طابع طائفى عليها، من الأحداث الاجتماعية العادية إلى مباريات كرة القدم، وسط حالة من التسطيح المعرفى، والتشوش فى النظرة، والتعبير المنفلت عن المشاعر المضطربة. ولا نغفل بالطبع الدور الذى تلعبه تيارات متطرفة تعمل دائما على تغيير نفسية المجتمع فى اتجاه التشدد، وممارسة العنف، أملا فى استغلال ذلك سياسيا إذا سنحت لها الفرصة، والدليل أن المنابر المتطرفة التى تهاجم الدولة، ومؤسساتها، هى ذاتها التى لا تترك مناسبة دون أن تبث الشقاق بين المسلمين والمسيحيين.
من هنا نحتاج إلى تفعيل المساحات المتاحة للعلاقات الإسلامية المسيحية بذهنية جديدة لمواجهة المخاطر التى تتهددها، مثل التطرف، والتشدد، والخروج من اللقاءات الشكلية، إلى عمل حوارى مستدام، ينطلق إلى عمق التحديات التى تواجه المجتمع، بمختلف مكوناته، ويتوجه إلى الشباب خاصة من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، بعيدا عن السجال العقيدى، والملاسنات الدينية التى نتأذى بنارها، والتركيز على القضايا المشتركة التى تتصل بمواجهة الثقافات السلبية، والتطرف الفكرى، والنزعات الاستهلاكية، والحفاظ على الكيان الانسانى تجاه ما يتهدده، ويظل ذلك رهنا بوجود جهود جادة، تتخلى عن الحذر البيروقراطى، وتتحلى بشجاعة الانفتاح فى مواجهة تيارات تسعى لهدم الدولة.
وإذا كان ما سبق يتصل بالجهد الثقافى فى المواجهة، فإن هناك آليات مؤسسية وقانونية لا غنى عنها، مثل تطبيق القانون بصرامة،ومواجهة الأطراف المسيئة، أيا كانت، بعيدًا عن التسويات العرفية.
نقلا عن الأهرام





