بقلم الباحث الأكاديمي: اثناسيوس سرجيوس
تمهيد: لماذا هذه السيرة الآن؟
يُعدّ عزيز سوريال عطية أحد أبرز مؤرخي المسيحية الشرقية والقبطيات في القرن العشرين، ومع ذلك تباينت في السنوات الأخيرة الروايات المتداولة حول سيرته وعلاقته بالكنيسة. ومن هنا يعيد هذا المقال قراءة هذه السيرة في ضوء الوثائق والمصادر الأولى، لا بقصد الدفاع عن شخص، بل لفهم تجربة علمية كان لها أثر بالغ في تاريخ الدراسات القبطية. فالتاريخ الصحيح يُبنى أولاً بالوثيقة، لا بالتفنيد وحده.
أولًا: النشأة والتكوين — من مصر إلى كراسي الغرب
وُلد عزيز سوريال عطية سنة ١٨٩٨ في بيتٍ قبطيٍّ مصري، وشقّ طريقه إلى الدرس العالي في أوروبا فنال الدكتوراه من جامعة لندن سنة ١٩٣٣، ثم ذاع اسمُه في دراسات العصور الوسطى بكتابه عن الحملات الصليبية المتأخرة (The Crusade in the Later Middle Ages, 1938) الذي صار من أمهات الباب في مكتبات الغرب، وتقلّب في كراسي التدريس بين الجامعات المصرية ثم الأمريكية، حتى استقر منذ سنة ١٩٥٩ أستاذًا بجامعة يوتا، حيث أنشأ مركزَ دراسات الشرق الأوسط ومكتبتَه التي ما زالت تحمل اسمه إلى اليوم — مكتبةُ عزيز س. عطية لدراسات الشرق الأوسط — شاهدةً على رجلٍ لم يدخل الأكاديمية الغربية ضيفًا، بل مؤسِّسًا يُسمّى بعده المكانُ باسمه.
ثانيًا: في خدمة التراث القبطي — المعهد والمخطوطات والمرافعة
ولم تكن عالميتُه انصرافًا عن كنيسته، بل ذراعًا لها. ففي منتصف خمسينيات القرن العشرين كان في طليعة مؤسِّسي معهد الدراسات القبطية بالقاهرة — الصرح الذي ما زال يخرّج دارسي القبطيات إلى اليوم — وقاد في مطلع الخمسينيات مشروعَ تصوير مخطوطات دير سانت كاترين بسيناء تصويرًا علميًّا حفظ للأجيال كنزًا كان عرضةً للفناء. ثم قدّم للمكتبة العالمية سنة ١٩٦٨ كتابَه «تاريخ المسيحية الشرقية» (A History of Eastern Christianity)، وهو في جوهره مرافعةٌ أمام القارئ الغربي عن كرامة الكنائس الشرقية وفي مقدمتها القبطية: يفتتحه بالمسيحية الإسكندرية وتقليدِ تأسيسها المرقسي، ويجتهد في رفع سوء الفهم الخلقيدوني عن إيمانها، ويعرض للغرب حضارةَ أقباطٍ طالما اختزلهم في هامش. فالرجل الذي صُوِّر لجمهور المنصات طاعنًا في مرقس ومُلصِقًا الأوطاخيةَ بالأقباط هو بعينه من حمل قضيتهما إلى قلب الأكاديميا الغربية.
ثالثاً : الموسوعة القبطية كما صُنعت فعلًا
في سنة ١٩٨٠ — وقد جاوز الثمانين — أطلق من جامعة يوتا مشروعَ عمره: The Coptic Encyclopedia، أولَ موسوعةٍ علميةٍ جامعةٍ للقبطيات في تاريخ المعرفة الإنسانية. جمع لها هيئةَ تحريرٍ دولية، واستكتب فيها نحو ٢١٥ عالِمًا من كل قارة وملّة — أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت ومسلمين — فكتبوا قرابة ٢٨٠٠ مادةٍ موقَّعةٍ بأسمائهم، وأسهمت في تمويلها مؤسساتٌ وجامعاتٌ وجالياتُ المهجر القبطي إسهامًا مشهودًا. ولم يمهله العمر: تُوفِّي في ٢٤ سبتمبر ١٩٨٨ والعملُ يوشك على التمام، فحملت الأمانةَ رفيقةُ عمره لولا عطية حتى صدرت الموسوعة في ثمانية مجلدات عن دار ماكميلان بنيويورك سنة ١٩٩١. ثم آلت حقوقها سنة ٢٠٠٩ إلى جامعة كليرمونت التي أتاحتها رقميًّا للعالم مجانًا؛ فصار بوسع أيّ قبطيٍّ اليوم — من أسوان إلى مطروح ومن المهجر إلى المهجر — أن يفتح المادةَ بنفسه ويقرأ ويحاكم.
ولم يكن ذلك أثراً عارضاً، بل نتيجة طبيعية لضخامة المشروع وتنوع المشاركين فيه واتساع مادته العلمية. وأصبحت الموسوعة أحد المراجع الأساسية في الدراسات القبطية الحديثة، واستُخدمت على نطاق واسع في البحث والتعليم الجامعي. وبهذا المعنى تجاوز المشروع زمن صاحبه، وأصبح جزءًا من البنية المرجعية للدراسات القبطية الحديثة. هذه هي القصة بتواريخها وجهاتها وأرقامها؛ وليس فيها تكليفٌ بابويٌّ ولا لجنةُ إجازةٍ ولا عزلٌ من تدريس — لأن الرجل ترك للكنيسة إرثًا علميًّا تجاوز الأفراد واللجان، وأسهم في ترسيخ حضور الدراسات القبطية داخل الأكاديمية العالمية.
رابعاً : الكنيسة في الموسوعة، والموسوعة في الكنيسة
وأبلغ ما يختصر علاقةَ الرجل بكنيسته ثلاثُ وقائع موثّقة. الأولى: أن قداسة البابا شنودة الثالث نفسَه من كتّاب الموسوعة، أسهم فيها بمادةٍ عن هجرة الأقباط؛ فالحبر الذي تُروى باسمه قصةُ الخصومة حاضرٌ بقلمه بين أقلامها. والثانية: أن مادة «مرقس القديس» — وهي بقلم عطية نفسه — أُعلن في صدرها أنها تلخيصٌ لكتاب البابا شنودة «مرقس الرسول» بوصفه البيان المعتمد لرؤية الكنيسة، وتصدّرت ببليوغرافيتَها طبعتُه الثانية؛ فقدّم عطية فكرَ بطريركه إلى قرّاء العالم في أوسع منبر علمي أُتيح للقبطيات. والثالثة: أن كنائس قبطية في المهجر تعتمد موادَّ الموسوعة نفسِها — ومنها مادة كيرلس الأول — نصوصًا تعليميةً لشبابها.
فالعلاقة الحقيقية بين الكنيسة والموسوعة علاقةُ إسهامٍ وتقديرٍ وانتفاعٍ متبادل؛ وما طرأ بعد ذلك من ملاحظاتٍ على ترجمةٍ عربيةٍ أو مناقشاتٍ لموادَّ بعينها فمن طبائع حياة الكتب الكبيرة، يُعالَج بأدوات العلم لا بتحويله ملحمةَ خيانة.
خامساً : النموذج الإسكندري — العالِم ابنٌ لا خصم
غير أن قيمة هذه السيرة لا تقف عند حدود ترجمة شخصية ناجحة؛ إذ تفتح سؤالًا أوسع عن الكيفية التي فهمت بها الكنيسة الإسكندرية عبر تقليدها التاريخي العلاقة بين السلطة الكنسية والبحث العلمي. إن سؤال هذه القضية كلِّها ليس «من أصاب: البابا أم العالِم؟» — فقد رأينا أنهما لم يكونا خصمين أصلًا — بل: أيُّ نموذجٍ لعلاقة الكنيسة بالعلم نورّثه لأبنائنا؟ والتقليد الإسكندري أجاب قبلنا: كنيسةٌ جعلت مدرستَها تقرأ فلاسفةَ عصرها لتحاورهم، وعدّت التمييزَ — διάκρισις — أمَّ الفضائل التي تُربّى في الأبناء لا تُحتكر دونهم؛ فالعالِم فيها ابنٌ يخدم بعقله كما يخدم الشماسُ بصوته والراهبُ بصلاته، ونقدُه خدمةٌ لا خيانة، وخطؤه — إن أخطأ — يُقابَل بمادةٍ أصوب لا بمحكمةٍ وطرد.
ويكشف هذا عن مفارقة جديرة بالتأمل: فطريقة البابا شنودة الثالث في كتبه العقائدية والردّية تقوم على عرض الرأي المخالف أولاً بأمانة، ثم مناقشته اعتمادًا على النصوص والمراجع في ردٍّ مرقَّمٍ هادئ العبارة. وهو نموذج في إدارة الخلاف يستحق أن يبقى حاضراً في الذاكرة الكنسية، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع نتائجه. ولعلّ من أصدق صور الاحتفاء بمعلّم الأجيال الاقتداء بمنهجه في عرض الرأي المخالف ثم مناقشته بالحجة والبرهان، لا الاكتفاء بترديد الألقاب. وبهذا الميزان وحده يستقيم الاحتفاء: أن يُكرَم الراعي باقتفاء طريقته، ويُكرَم العالِم بإكمال مشروعه، وتُكرَم الكنيسة بأبناءٍ يحسنون الاثنين معًا.
سادسًا: الوصية — ماذا نقول لأبنائنا؟
نقول لهم: كان لكنيستكم في القرن العشرين عالِمٌ حمل اسمَها إلى قلب الأكاديميا العالمية، فأسّس في القاهرة معهدَها، وحفظ في سيناء مخطوطاتِها، ورافع عنها في لندن ونيويورك، وختم عمرَه بموسوعةٍ جعلت «القبطيات» علمًا قائمًا برأسه على رفوف جامعات الأرض — ومات قبل أن يرى ثمرتَه مطبوعة، كموسى على جبل نبو يرى الموعدَ ولا يدخله. ونقول لهم: هذه الموسوعة اليوم بين أيديكم مجانًا؛ فمن وجد فيها مادةً يراها مجانبةً للصواب فطريقُ الإكرام مفتوح: أن يتعلم، ويحقق، ويكتب المادةَ الأصوب، فيضيف اسمَه إلى سلسلة الخدمة لا إلى جوقة الاستنكار. فالتاريخ لا يحفظه الشعار، بل المعرفة؛ ولا تصون الذاكرةَ الرقابةُ، بل البحث؛ ولا تكرم الكنيسةَ مصادرةُ الكتب، بل إنتاجُ معرفةٍ أمتن منها. ومن ثم كان ميراث عزيز سوريال عطية الحقيقي: بابًا مفتوحًا لكل ابنٍ من أبناء الكنيسة؛ يدخل، ويقرأ، ويُحسن، ويزيد. وهذا، في جوهره، هو التقليد الإسكندري في أفضل تجلياته.





