الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
كلّما طُرحتْ مسألة علاقة الكنيسة الكاثوليكيّة بالعلم، يظهر اسم جوردانو برونو سريعًا. وغالبًا ما تُقدَّم القصّة في صيغة واحدة: «الكنيسة أحرقت عالِمًا لأنّه قال إنّ الكون لا نهائي». هذه العبارة مؤثّرة عاطفيًا، ومناسبة جدًا لمنشور سريع أو فيديو هجومي، لكنها غير دقيقة تاريخيًا.
قضيّة برونو حقيقيّة ومؤلمة وخطيرة أخلاقيًا. فقد أدانته محكمة التفتيش الرومانيّة، وأُحرق في روما سنة ١٦٠٠. هذا لا ينبغي إنكاره ولا تبريره. لقد قُتل إنسان بسبب أفكاره، ولا يجوز لأي مسيحي أمين أن يخفّف من قسوة هذه الحقيقة. الكنيسة نفسها لا تستطيع أن تدافع اليوم عن منطق قتل إنسان بسبب فكره أو ضميره. لكنّ السؤال هنا موجّه خصوصًا إلى الملحد الصادق في مصر: هل يكفي أن تعرف نصف القصّة كي تبني موقفًا كاملًا من الإيمان؟ هل يكفي أن تسمع جملة: «الكنيسة أحرقت برونو»، ثم تستنتج منها أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة، عبر تاريخها كلّه، كانت ضدّ العلم؟
الأمانة التاريخيّة تفرض علينا أن نسأل: ما الذي أُدين برونو من أجله تحديدًا؟ هل أُعدم بوصفه عالِمًا تجريبيًا بالمعنى الحديث، أم بوصفه فيلسوفًا ولاهوتيًا كانت رؤيته الكونيّة جزءًا من منظومة أوسع بكثير من التصوّرات الدينيّة والميتافيزيقيّة؟ برونو نفسه لم يكن غريبًا عن العالم الفكري الكنسي. فقد كان راهبًا دومنيكانيًّا، تكوّن داخل تقليدٍ رهبانيّ وُلد في قلب جامعات العصور الوسطى، وجعل الدراسة جزءًا جوهريًا من رسالته. ومن هذا التقليد نفسه خرجت شخصيّات مثل ألبرت الكبير، الذي كتب في الطبيعة والفلسفة الأرسطيّة، وتوما الأكويني، الذي بنى مشروعًا لاهوتيًا ضخمًا على الثقة بالعقل والحجّة والبحث المنهجي. لذلك فالصورة التي تجعل الرهبنة، أو الكنيسة الكاثوليكيّة عمومًا، عدوّة للمعرفة بطبيعتها، صورة كاريكاتوريّة لا تصمد أمام التاريخ.
قضيّة برونو لم تكن حلقة بسيطة من حلقات «العلم ضدّ الإيمان». صحيح أنّه دافع عن رؤية كونيّة جريئة: كون لا نهائي، وعوالم لا تُحصى، ونجوم تُفهم بوصفها شموسًا بعيدة. لكنّه لم يقدّم هذه الأفكار بوصفها نتيجة رصدٍ فلكي تجريبي بالمعنى الحديث. كان فكره مزيجًا من فلسفة الطبيعة، والميتافيزيقا، والتقاليد الهرمسيّة والسحريّة، والتأمّل اللاهوتي، والكوزمولوجيا المناهضة للأرسطيّة. والتهَم الموجّهة إلى برونو تجاوزت علم الفلك بكثير. فقد شملت مواقف عُدّت مخالفة للعقيدة الكاثوليكيّة في الثالوث، وألوهيّة المسيح، والتجسّد، وبتوليّة مريم، والإفخارستيا، والعقاب الأبدي، وتناسخ الأرواح. وكان إيمانه بتعدّد العوالم حاضرًا أيضًا، لكنه لم يكن «اكتشافًا علميًا» معزولًا أمام لجنة علميّة محايدة. كان جزءًا من نسقٍ فلسفي ولاهوتي أوسع، رأت فيه محكمة التفتيش الرومانيّة هرطقة. وينبغي أن نكون دقيقين أيضًا في الآليّة القانونيّة. فقد صدر الحكم بالهرطقة عن محكمة كنسيّة، هي محكمة التفتيش الرومانيّة. أمّا تنفيذ الإعدام نفسه، فكان من اختصاص السلطة المدنيّة بعد أن سُلّم برونو إليها. هذا التمييز لا يبرّئ الكنيسة من المسؤوليّة الأخلاقيّة، لأنّ الحكم الكنسي هو الذي جعل الإعدام ممكنًا. لكنه يمنع أيضًا الصورة الطفوليّة التي تتخيّل "الكنيسة" كأنّها أحرقت مباشرةً "عالِمًا" فقط لأنّه قال بحقيقة علميّة.
إذًا، برونو يكشف مأساة حقيقيّة في تاريخ استعمال السلطة الدينيّة ضدّ الفكر والضمير والاختلاف. لكنّه لا يثبت أنّ العلم والإيمان عدوّان بالطبيعة. إنه يثبت شيئًا أكثر تحديدًا: في أوروبا الحديثة المبكرة، كان اللاهوت والفلسفة والسياسة وفلسفة الطبيعة متشابكة بعمق، وكانت السلطات الدينيّة والمدنيّة قادرة على معاقبة الانحراف الفكري بعنف مرعب. وهنا ينبغي أن نكون منصفين. إن كان بعض المؤمنين حولنا اليوم يخلطون بين الإيمان والخرافة، أو يعادون العلم، أو يظنّون أنّ الدفاع عن الدين يعني رفض العقل، فليوجّه الملحد الصادق نقده إلى هذا الخلط الحاضر أمامه. ليواجه الأصوليّة الدينيّة، والجهل، والتفسير الحرفي الساذج، والخوف من الأسئلة. هذا نقد مشروع وضروري. لكن ليس من الإنصاف أن يتحوّل نقد الجهل الديني المحلي إلى حكم شامل على الكنيسة الكاثوليكيّة وتاريخها كلّه.
فالكنيسة لم تقف عند سنة ١٦٠٠. مرّ على إعدام برونو نحو أربعة قرون وربع. وخلال هذا التاريخ الطويل، اعترفت الكنيسة بأخطاء في تعاملها مع بعض القضايا العلميّة، وفي مقدّمتها قضيّة جاليليو. كما نشأت داخل العالم الكاثوليكي شخصيّات علميّة كبرى: جريجور مندل، الراهب الأغوسطيني ومؤسّس علم الوراثة الحديث؛ وجورج لومتر، الكاهن الكاثوليكي البلجيكيّ الذي وضع الأساس الرياضي لنظرية تمدّد الكون وما صار يُعرف شعبيًا بالانفجار العظيم؛ فضلًا عن استمرار "مرصد الفاتيكان" بوصفه مؤسّسة بحثيّة فلكيّة يعمل فيها علماء كاثوليك حتى اليوم. لذلك، حين يستعمل ملحدٌ مصري اليوم قضيّة برونو كما لو أنّها الدليل النهائي على فساد الإيمان، فهو أحيانًا يفعل ما يفعله الأصولي الذي يكرهه: يتجمّد عند الماضي، ينتزع حدثًا من سياقه، ويحوّله إلى شعار مطلق. الأصوليّة ليست حكرًا على المتديّنين. قد توجد أيضًا عند من يرفض الدين، حين يستبدل البحث الجادّ بصورة ثابتة عن الماضي لا يريد مراجعتها. لا يُطلب من الملحد أن يبرّر الكنيسة. ولا يُطلب من المسيحي أن يجمّل تاريخها. المطلوب من الاثنين شيء واحد: الصدق. المسيحي الصادق لا ينكر خطايا المؤسّسات الكنسيّة. والملحد الصادق لا يبني رفضه للإيمان على تاريخ مبتور، أو ميم، أو فيديو، أو عبارة محفوظة عن «الكنيسة التي أحرقت العلماء».
نعم، كان جوردانو برونو ضحيّة حقيقيّة لعصرٍ كان يستطيع أن يقتل إنسانًا بسبب أفكاره. لكنّه ليس دليلًا بسيطًا على أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة «حاربت العلم دائمًا». فقضيّته تنتمي إلى تاريخ الهرطقة، والفلسفة، والكوسمولوجيا، والسلطة؛ لا إلى حربٍ مبسّطة بين العلم والإيمان.
قبل أن نقول: العيال بتلحد، لنسأل أيضًا:
هل ألحدوا بسبب التاريخ فعلًا؟
أم بسبب نسخة مشوّهة من التاريخ؟
وهل تحرّروا من الأصوليّة، أم حملوا معهم تصلّبها نفسه ولكن في اتجاهٍ معاكس؟
قضيّة برونو تدين عنف الماضي، لا العلم ولا الإيمان. والملحد الصادق لا يواجه خرافة دينيّة بخرافة تاريخيّة مضادّة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعض المراجع:
1. John Hedley Brooke, Science and Religion: Some Historical Perspectives (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).
David C. Lindberg and Ronald L. Numbers, eds., God and Nature: Historical Essays on the Encounter between Christianity and Science (Berkeley: University of California Press, 1986).
2. Ingrid D. Rowland, Giordano Bruno: Philosopher/Heretic (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2008);





