كتب - محرر الاقباط متحدون
قال المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس بالقدس:"استقلال الكنيسة عن السياسة - «لا ينبغي للجغرافيا السياسية أن تتدخل في الشؤون الكنسية»، بهذه العبارة الواضحة لخّص البطريرك البلغاري دانيال موقفه من العقوبات الأوروبية المقترحة على بطريرك موسكو كيريل، معتبرًا أن فرض عقوبات على رأس كنيسة أرثوذكسية محلية «لن يحقق الغاية التي يسعى إليها من يفرضها».
مضيفا عبر صفحته الرسمية على فيسبوك:"وجاء هذا الموقف متقاطعًا مع إعلان الحكومة البلغارية عزمها معارضة إدراج اسم البطريرك كيريل على لائحة العقوبات الأوروبية، انطلاقًا من قناعة بأن معاقبة قائد ديني لن تسهم في صنع السلام، بل قد تزيد الانقسامات.
ولا شك أن هذا الموقف يستحق التوقف عنده، ليس بسبب الشخص المعني بالعقوبات، بل بسبب المبدأ الذي يدافع عنه. فالكنيسة ليست مؤسسة سياسية، ورؤساء الكنائس ليسوا مسؤولين حكوميين، مهما كانت المواقف التي يتخذونها. كما أن تحويل العقوبات الدولية إلى وسيلة لمعاقبة المرجعيات الدينية يفتح بابًا جديدًا في العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات الكنسية، وقد يتحول مستقبلاً إلى سابقة تطال كنائس أخرى وقضايا أخرى.
ولا يخفى أن البطريرك كيريل تعرض لانتقادات واسعة بسبب مواقفه المؤيدة للسياسة الروسية خلال الحرب في أوكرانيا، وهي مواقف أثارت اعتراضات داخل العالم المسيحي وخارجه. غير أن السؤال الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز تقييم تلك المواقف، ليصل إلى مسألة أكثر جوهرية: هل يجوز أن تصبح المرجعية الكنسية نفسها موضوعًا للعقوبات السياسية؟.
فالكنائس ليست دولًا، ولا ينبغي أن تُعامل بمنطق العلاقات الدولية، حتى عندما تكون مواقف بعض قادتها محل خلاف شديد. وقد عرف التاريخ الأوروبي مراحل طويلة من تدخل السلطات المدنية في شؤون الكنائس، وكانت الكنائس نفسها من أكثر المدافعين عن استقلالها في مواجهة السلطة السياسية. ولذلك يبدو مشروعًا التساؤل عما إذا كان الاتجاه الحالي يفتح الباب أمام شكل جديد من أشكال إخضاع المؤسسات الدينية للاعتبارات الجيوسياسية.
وفي المقابل، لا تستطيع الكنائس أن تكتفي بالمطالبة بإبعاد السياسة عنها، إذا كانت هي نفسها تسمح أحيانًا بدخول السياسة إلى داخلها. فكلما اقتربت المؤسسة الكنسية من مشاريع الدول، وكلما تبنت لغة الصراع السياسي، أصبحت أكثر عرضة لأن تُعامل بوصفها جزءًا من هذا الصراع. ومن هنا فإن أفضل حماية لاستقلال الكنيسة لا تكون فقط برفض التدخلات الخارجية، بل أيضًا بالمحافظة على استقلالها الداخلي عن المشاريع السياسية والقومية.
ولعل أهم ما في كلام البطريرك دانيال أنه لا ينبغي أن يبقى مرتبطًا بملف العقوبات وحده، بل أن يتحول إلى مبدأ عام يحكم جميع الأزمات الأرثوذكسية. فإذا كانت «الجغرافيا السياسية لا ينبغي أن تتدخل في الشؤون الكنسية»، فإن هذا المبدأ ينبغي أن ينسحب أيضًا على كل الملفات التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تداخلًا واضحًا بين القرار الكنسي والاعتبارات السياسية، سواء في أوكرانيا أو إستونيا أو أفريقيا أو غيرها.
فالمبدأ لا يكتسب قوته عندما يُطبَّق في قضية واحدة، بل عندما يصبح معيارًا ثابتًا لا يتغير بتغير الأطراف أو المصالح.
إن استقلال الكنيسة عن السياسة لا يتجزأ. فلا يمكن الدفاع عنه عندما يخدم كنيسة معينة، وتجاهله عندما يخدم كنيسة أخرى. كما أن الكنيسة التي تريد أن تبقى شاهدة للإنجيل مطالبة بأن تحافظ على مسافة واحدة من جميع المشاريع السياسية، لأن رسالتها ليست أن تكون طرفًا في صراعات هذا العالم، بل أن تبقى صوتًا للمصالحة والحق والسلام.
ومن هنا، فإن قيمة تصريح البطريرك دانيال لا تكمن فقط في دفاعه عن رفض العقوبات على بطريرك موسكو، بل في تذكيره بمبدأ تحتاج إليه الأرثوذكسية اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن تُترك الكنيسة للكنيسة، وأن تُعالج أزماتها بروح المجمعية والحوار، لا بمنطق الجغرافيا السياسية ولا بموازين الصراع الدولي. ويبقى التحدي الحقيقي هو أن يلتزم الجميع بهذا المبدأ، لا في هذه القضية وحدها، بل في كل قضية تمس حياة الكنيسة ووحدتها.




