سميرة لوقا: الهيئة القبطية الإنجيلية جعلت من التعليم المدني أداة لبناء الوعي ومواجهة الكراهية
رغم تعدد الرؤى.. مصر'> التعليم في مصر ما زال يدور في دائرة مفرغة بسبب غياب الإصلاح المتكامل
غياب "الآخر" عن المناهج يُنشئ أجيالاً غير مدركة للتنوع.. وتنقيح الخطاب التعليمي ضرورة قصوى.
منظومة الـ "9 مفاهيم ودليل المعلم".. نظام تعليمي مستقل للتربية المدنية أطلقته "الهيئة الإنجيلية"
: منتدى حوار الثقافات نجح في تحويل المواطنة من شعار إلى ممارسة
أزمة التعليم الفني ليست بالمناهج فقط..لن ينهض إلا بكسر النظرة الدونية لخريجيه وتكريمهم
نُعاني من "الجزر المنعزلة".. ونحتاج لـ "تحالف وطني" يحول المبادرات المدنية إلى سياسات للدولة.
رسّخنا قيم المواطنة وقبول الآخر عبر التعليم المدني في مختلف قطاعات الهيئة
من الفصل الدراسي إلى الفضاء الرقمي.. معركة مواجهة الكراهية تبدأ ببناء الوعي
نطالب بإدراج "التربية المدنية" مادة نجاح ورسوب لضمان بناء وعي حقيقي للطالب.
حين يغيب "الآخر" عن المناهج تتراجع المواطنة.. والتربية المدنية ضرورة لبناء وعي متوازن
نُعاني من "الجزر المنعزلة".. ونحتاج لـ "تحالف وطني" يحول المبادرات المدنية إلى سياسات للدولة.
نحتاج لـ "جيش من المعتدلين" على السوشيال ميديا لمواجهة طوفان خطاب الكراهية.


نادر شكري 
"بين أروقة الحقوق وصناعة الوعي، تقف الأستاذة سميرة لوقا كإحدى القامات الفاعلة التي نذرت مسيرتها المهنية الطويلة لإعادة صياغة المشهد التنموي في مصر. بصفتها عضواً بالمجلس القومي لحقوق الإنسان ورئيساً لقطاع التنمية الثقافية بالهيئة القبطية الإنجيلية، لم تكتفِ لوقا بطرح النظريات، بل قادت مبادرات ميدانية حوّلت مفاهيم المواطنة وقبول الآخر من مجرد شعارات إلى تعليم موازٍ يواجه التنميط وخطاب الكراهية. في هذا الحوار، نفتح ملف بناء الإنسان من بوابة التعليم، لنناقش بجرأة الفجوة بين الأطروحات والواقع، وكيف نجحت مؤسسات المجتمع المدني في سد ثغرات لم تصل إليها السياسات الرسمية بعد."

•    "بالنظر إلى خبراتكِ ن خبراتك المتراكمة من خلال عملك في منتدى حوار الثقافات واحتكاكك المباشر بالأوساط الأكاديمية والتنفيذية؛؛ كيف تقيّمين واقع مصر'> التعليم في مصر ؟ وما هي أبرز إشكالياته؟
بتنهيدةٍ عميقة ونظرةٍ تحمل سنواتٍ طويلة من المحاولات، أقول إن هذا التساؤل يطاردني منذ أكثر من أربعين عامًا، منذ بدأت انخراطي في العمل العام، ولم ننجح طوال هذه السنوات في تحقيق خطوة تطوير حقيقية وجذرية في ملف التعليم، رغم أنه الركيزة الأساسية لبناء المجتمع وتشكيل وعي الطفل قبل أي انتماء ديني أو اجتماعي.

وأرى أن مصر'> التعليم في مصر ما زال يواجه أزمة معقدة، لأننا غالبًا نركز على القشور ونغفل الجوهر. فبينما شهدت البنية الأساسية تطورًا ملحوظًا، خاصة بعد إنشاء الهيئة العامة للأبنية التعليمية وبناء مدارس جديدة، لم ينعكس ذلك بالقدر نفسه على العنصر الأهم وهو المعلم، لانه هو “الإناء” الذي يتلقى منه الطالب العلم، وإذا لم يكن مؤهلًا ومتمتعًا بالوعي الكافي فلن نتمكن من بناء جيل مكتمل. كما أن انتشار الدروس الخصوصية أضعف دور المدرسة وأفقد الطالب ارتباطه الحقيقي بها، رغم أن المطلوب هو إعادة الاعتبار والاحترام للمدرسة وللمعلم..

كما أنني أؤكد أن التعليم لا يجب أن يظل مجرد حشو معلومات، بل يجب أن يتحول إلى منظومة لبناء إنسان قادر على التفكير وخدمة مجتمعه، وهو ما يتطلب إصلاحًا شاملًا لكل عناصر المنظومة، ووقد جرت محاولات عديدة لتطوير المناهج، كما أجرى المجلس القومي لحقوق الإنسان دراسات مهمة حول إدماج حقوق الإنسان في التعليم، لكن ما تحقق ظل محدودًا، وفي تقديري، فإن أزمة التعليم ليست في غياب الرؤى، وإنما في بطء التنفيذ وغياب الإصلاح المتكامل للمنظومة بأكملها.

•    رغم كثرة الرؤى والتوصيات الخاصة بتطوير التعليم، لماذا تظل هناك فجوة بين ما يُطرح من أفكار وبين ما يُنفذ فعليًا، ولماذا تتغير السياسات التعليمية خلال فترات قصيرة ؟
"إننا نعاني من شخصنة التطوير؛ فالمسيرة التعليمية تفتقد للاستمرارية وغياب مبدأ التراكم؛ فكل وزير يأتي يسعى لتطبيق نموذجه الخاص، حيث يميل لنقد وهدم ما بناه سلفه بدلاً من البناء عليه، لدرجة أننا نرى قرارات تُلغى ثم تُعاد مع تعاقب الوزراء. وهذا التخبط غيّب الحلول الجذرية للمحتوى والمضمون، وغالباً ما تنحصر التغييرات في الأمور الشكلية كسنوات الدراسة في الثانوية العامة، دون المساس بجوهر الأزمة، لذا فنحن ندور في دائرة مفرغة لأننا نركز على الشكل، ورغم كثرة التعديلات، لكننا لم نرَ إصلاحًا جذريًا في مضمون التعليم أو في نوعية الطالب الذي تخرجه المنظومة

ورغم أن مصر أنجبت نماذج وكفاءات متميزة في مجالات كثيرة، لكن كثيرًا من هذه النماذج وصل بجهد شخصي وبفضل دعم أسرته وإمكاناته الذاتية، في المقابل تظل آلاف المواهب مدفونة لأن المنظومة لم تساعدهم منذ الصغر على صقل طاقاتهم، مما جعلنا نتساءل دوماً: أين الرموز والقيادات؟ والحقيقة أنها موجودة، لكنها افتقدت الرعاية التي تخرجها للنور."

•    ما المقصود بالتعليم المدني داخل الهيئة، وما أهميته في السياق المجتمعي الحالي؟"
"مفهومنا للتعليم المدني داخل الهيئة لا ينفصل عن جوهره العالمي؛ وهو ربط القضايا المجتمعية بالعملية التعليمية. بحيث لا يقتصر التعليم  على العلوم التقليدية التجريدية كالأحياء أو الجغرافيا، بل عن صياغة الوعي بمفاهيم المواطنة، والتعددية، واحترام الاختلاف، فعندما نتحدث عن هذه القيم، فنحن نتحدث عن جزء أساسي من التعليم المدني، فالغاية من التربية المدنية هي ترسيخ قيم تُحوّل الفرد إلى مواطن صالح وواعٍ بحقوقه وواجباته، مدركاً أن جوهر التعليم لا يتوقف عند حدود التفوق الدراسي وحصد الدرجات، بل يمتد لبناء إنسان مثقف ومُلمّ بالمنظومة القيمية التي تحكم مجتمعه، والتفاعل معها. 

•    ما الآليات والاستراتيجيات التي تعتمدها الهيئة في التنفيذ ؟
اعتمدت الهيئة في ملف التعليم المدني استراتيجية متعددة المسارات لمواجهة قصور الوعي بالقيم المدنية لدى المواطنين؛ بدأت بإنتاج المعرفة عبر إصدار سلسلة من الكتيبات المتخصصة منذ عام 2003  وحتى عام 2010، شملت مفاهيم الانتماء، المشاركة المجتمعية، الحريات، والمواطنة، والتنمية البيئية، بهدف نشر هذه المفاهيم بشكل مبسط.

 ولم يتوقف دورنا عند الإصدارات النظرية، بل انتقلنا إلى التنفيذ الميداني من خلال برامج تدريبية مكثفة في 12 محافظة، تستهدف القائمين على العملية التعليمية صناع الوعي من مدرسين وأكاديميين؛ لتمكينهم من دمج القيم المدنية والمواطنة في صلب تخصصاتهم وطرق عملهم اليومية." بحيث يصبحوا قادرين على نقل هذه المفاهيم إلى الطلاب بشكل عملي داخل المدارس والجامعات.

•    هل هناك شراكات مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات الرسمية لتوسيع هذه المبادرات؟
بالتأكيد، فنحن نؤمن بأن العمل الفردي لا يكفي، لدينا تعاون وثيق مع عدد من الجامعات المصرية، وهو محور أساسي نتوسع من خلاله في المحافظات. كما نولي أهمية قصوى لبناء قدرات رجال الدين والمؤسسات الدينية (الإسلامية والمسيحية على حد سواء)، لتمكينهم من نشر قيم التربية المدنية عبر منابرهم. ولا ننسى دور الإعلاميين والباحثين؛ فبناء قدرات هؤلاء جزء أصيل من استراتيجيتنا، إيماناً منا بأن التعليم مسؤولية مجتمعية تتجاوز أسوار المدارس لتشمل كل صناع الرأي.

•    ما أبرز التحديات التي يتم مواجهتها للتنفيذ بالمحافظات، خاصةً أنكم دخلتم في محو الأمية؟
التحدي الأكبر يكمن في أن هذه الجهود لا تزال تعتمد على المبادرات الذاتية للهيئة والمؤسسات الشريكة، ولم تتحول بعد إلى حراك وطني يُحدث تغييراً جذرياً في ملف التعليم. ورغم وجود اهتمام من جهات عديدة بالملف، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كل جهة تعمل بشكل منفصل داخل نطاقها، "جزر منعزلة"، فغياب التنسيق بين المبادرات يمثل تحديًا خطيرًا، فنحن نحتاج لوجود شبكة ربط قومية تجمع هذه المبادرات، أو “تحالف وطني لتطوير التعليم" برعاية رسمية من الدولة، لتوحيد الجهود وضمان وصول أثر هذه المبادرات إلى مستوى السياسات العامة للدولة.

•    الى أي مدى نجحتم في مد جسور التعاون مع المبادرات الرئاسية والقومية لتعزيز العملية التعليمية؟
تعاوننا مع التحالف الوطني ومبادرات الدولة مثل وزارة الشباب ووزارات اخري هو جزء أصيل من ممارستنا الميدانية،ويتم دمج هذا التعاون داخل برامجنا وأنشطتنا المختلفة، ومع ذلك، لا نزال نرى أن هذه الجهود، برغم أهميتها، تظل في نطاق العمل الأهلي مثل الهيئة القبطية وشركائها، إذ نتطلع لأن يُتبنى ملف التعليم المدني على مستوى وطني رفيع، بحيث يصبح جزءاً لا يتجزأ من خطة الدولة لبناء الإنسان المصري، ، لا مجرد نشاط مبادرات فردية.

•    مؤخرًا أُثير جدل حول دور عنصر الدين داخل العملية التعليمية، فكيف ترين إشكاليات التعامل مع الدين في المناهج الدراسية ووضعية الآخر، وتأثير ذلك على ترسيخ قيم المواطنة والتعددية؟
هذه واحدة من القضايا التي عملنا عليها كثيرًا داخل المنتدى منذ عام 2000، حيث ركزنا على ملف المواطنة في التعليم. قمنا بتدريب مجموعات من الشباب على مفاهيم المواطنة وقبول الآخر واحترام الاختلاف والتعددية، وشاركوا في دراسة المناهج وتحليلها من زاوية مدى تضمينها لهذه القيم.
وكانت أبرز الإشكاليات التي رصدناها هي غياب "الآخر" داخل المناهج التعليمية، مما يجعل الطفل يتشكل منذ الصغر في بيئة لا ترى التنوع بشكل حقيقي. ولا نقصد بالآخر هنا الجانب الديني فقط، بل أيضًا صورًا نمطية أخرى، مثل تقديم المرأة بصورة تقليدية، أو تصوير الريف بشكل محدود، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ التمييز بشكل غير مباشر، وقد عملنا على دراسة هذه الجوانب بالتعاون مع المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي قدم توصيات مهمة لتطوير المناهج، وتم بالفعل إدخال بعض التعديلات، لكنها ما زالت غير مكتملة، ونؤكد دائمًا على ضرورة استكمال التطوير بما يعزز قيم التعددية والمساواة التي نص عليها الدستور.

•    دار حوار حول مادة للمواطنة أو التربية المدنية تجمع الطلاب وتُعزز قيم المواطنة وتواجه خطاب الكراهية، لكن لم ترتقي للواقع كيف ترين هذه الإشكالية؟ 
هناك محاولات تمت؛ أتذكر صدور "كتاب القيم" عقب مؤتمر ضخم شاركت فيه الدكتورة كوثر كوجك، وكان يهدف لترسيخ مفاهيم التربية المدنية، كما حدث تطوير لاحق في كتب التربية القومية، لكن المعضلة الحقيقية أن هذه الكتب تُصنف كـ "مواد مساعدة" لا تضاف للمجموع، مما يفقدها جديتها لدى الطالب، لذا نحن نطالب بإدراج مادة "التربية المدنية" بمفهومها الشامل الذي يضم المواطنة وقبول الآخر ضمن "منظومة الدرجات"؛ فلو قُدمت هذه المادة بلغة متدرجة تناسب كل مرحلة عمرية من الابتدائي وحتى الثانوي واقترنت بنجاح ورسوب، سيضطر الطالب لاستيعابها والالتزام بها كجزء أصيل من تكوينه.

وهنا أشير أن نقطة التحول الحقيقية كانت في عام 2000، حين رتبت لقاء مع نخبة من الأكاديميين ورجال الدين لإجراء استبيان على المناهج التعليمية، وصُدمنا بحجم الفجوة في التربية المدنية، ومن هنا بدأ تركيز الهيئة المكثف على هذا الملف، وقررنا ألا ننتظر التحرك الرسمي فحسب، بل أطلقنا "تعليماً موازياً" للتربية المدنية. أصدرنا سلسلة كتيبات تشمل تسعة مفاهيم أساسية لمرحلة التعليم الأساسي، وصممنا دليلاً للمعلم ليكون نظاماً تعليمياً مستقلاً بذاته،  وما يثبت نجاح هذه التجربة أن العديد من المدارس والجمعيات الشريكة جربت هذه المواد وبدأت تطلب نسخاً إضافية، مما يعكس تعطش الميدان التعليمي لمحتوى حقيقي يبني المواطنة.

•    ماذا عن دور المؤسسة الدينية في هذا الملف؟ كيف يتم الربط بين الخطاب الديني ودعم العملية التعليمية؟
"هذا ركن أصيل في رؤيتنا بالمنتدى؛ فنحن نعمل مع رجال الدين – في المسجد والكنيسة – ليس فقط كشركاء، بل كصناع لوعي المجتمع. نحن نهدف من خلال برامجنا إلى استعادة هيبة المعلم ومكانته؛ فرجل الدين من على منبره يمتلك قوة تأثيرية استثنائية ليعيد تعريف دور المعلم كـ صاحب رسالة وليس مجرد موظف. نريد من الخطاب الديني أن يُذكّر الناس بأن كاد المعلم أن يكون رسولاً، ليحث الأسر على تقدير المدرسة، ويغرس في نفوس الأبناء احترام المعلم والالتزام بقيم التعليم، وهذا في جوهره هو الطريق الأقصر لاستعادة القدوة وإعادة بناء الإنسان."

•    ما تقييمك لبرنامج الهيئة مع الأكاديميين، وما أبرز نتائجه في تنفيذ الخطة؟ 
"فيما يخص ملف الأكاديميين، فإن تعاوننا معهم يمضي بخطى ثابتة، حيث يتم ترشيحهم رسمياً عبر الجامعات الشريكة، مما يضمن استمرارية تطوير تخصصاتهم، ومع ذلك، لا بد من المصارحة بأن هذا التعاون – رغم أهميته – لم يُحدث حتى الآن التغيير الجذري المنشود في المنظومة التعليمية؛ فما يتم حالياً هو حراك على مستوى القاعدة واجتهادات متوسطة التأثير، فإننا بحاجة ماسة إلى انتقال التطوير من حيز المبادرات الفردية إلى مستوى السياسات العليا للدولة؛ فالتغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من رأس المنظومة ليتحول إلى استراتيجية وطنية شاملة."

•    هل يمكن القول إن مفهوم التعليم المدني داخل الهيئة قد تطور ليصبح جزءًا أصيلًا من جميع برامجها ، وما أبرز ملامح هذا التحول داخل العمل المؤسسي؟
من نجاحات عملنا واستمراريته أن مفهوم التعليم المدني لم يعد مقتصرًا على فئة أو برنامج بعينه، بل أصبح حاضرًا في مختلف قطاعات الهيئة، وأصبحنا نرى أن مفاهيم المواطنة وقبول الآخر يتم تطبيقها بشكل أوسع داخل البرامج المختلفة، وليس فقط في إطار برنامج الأكاديميين داخل المنتدى، على سبيل المثال، في برنامج “المواطنة في التنمية” يتم التأكيد على مبدأ المساواة عند منح القروض، بحيث تُمنح بشكل عادل دون تمييز بين المرأة والرجل أو بين المسلم والمسيحي، وهذا في الحقيقة يعكس فلسفة الهيئة منذ تأسيسها القائمة على مفهوم المواطنة وعدم وهو ما نعتبره امتدادًا طبيعيًا لرسالة الهيئة.

"وعلى مدار أكثر من أربعين عاماً من نضالنا في ملف المواطنة، يسعدنا اليوم أن نرى هذا الخطاب وقد تحول إلى توجه وطني. إن تبني جهات حكومية مثل وزارتي التضامن والشباب والرياضة لبرامج تدريبية حول المواطنة وقبول الآخر خلال السنوات الأخيرة، هو شهادة نجاح للمجتمع المدني؛ حيث انتقلت هذه المفاهيم من حيز المبادرات الأهلية لتصبح جزءاً من السياسات العامة للدولة.

نحن لا نكتفي بالريادة التاريخية، بل نواصل العمل الميداني بتنسيق وثيق مع الوزارات والجامعات الأهلية، خاصة في القرى والأطراف. ومنهجنا في ذلك هو التمكين المتكامل؛ فلا نعزل التدريب الحرفي أو التمكين الاقتصادي عن بناء الوعي. نحن نُدرب الفتاة والمرأة على الحرفة، وفي الوقت ذاته نُسلحها بقيم الحوار وقبول الآخر، ليكون بناء الإنسان هو الثمرة الحقيقية والقاعدة الصلبة التي يقوم عليها أي نجاح مادي جزءًا أساسيًا من أي تمكين اقتصادي."

•    أذا كيف تُترجم قيم المواطنة نظرياً إلى ممارسات واقعية مع الفئات البسيطة في القرى والنجوع؟
"نحن نعتمد استراتيجية التسلل الناعم للقيم وسط احتياجات الناس؛ فعندما أستهدف الفتيات في القرى، لا أجمعهن في البداية لألقي عليهن محاضرة نظرية حول المواطنة، بل أجذبهن من خلال تعلم حرفة يدوية بسيطة تُدر عليهن دخلاً من داخل منازلهن، وخلال جلسات التدريب، وفي أجواء يملأها العمل المشترك، نغرس قيم قبول الآخر والتعايش بين الفتيات المسلمات والمسيحيات بشكل تلقائي. لقد طبقنا هذه الآلية أيضاً في فصول محو الأمية؛ فبينما تتعلم السيدة القراءة والكتابة، نُقدم لها مفاهيم المواطنة والحوار كجزء من المنهج الثقافي.

الفلسفة واحدة في كل مستويات عملنا: سواء كان فصلاً لمحو الأمية يضم جيران العمر من المسلمين والمسيحيين، أو مؤتمراً يجمع الأكاديميين من الرجال والنساء؛ الآلية هي العيش المشترك وتذويب الفوارق من خلال هدف واحد، ليتحول الآخر من مجرد مسمى إلى شريك في النجاح والرزق والتعلم."

•    في ظل التحديات الاقتصادية، كيف تنجحون في الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجاً لدعم التعليم المدني وتمكين المرأة؟
"فلسفتنا في الهيئة ترتكز على الشمولية؛ فبرامجنا لا تُقصي أحداً وتستهدف كافة شرائح المجتمع، مع إيماننا العميق بأن المرأة ليست مجرد مستفيد من خدماتنا، بل هي المحرك الأساسي وشريك فاعل في معادلة التغيير. ونحن في سبيل ذلك، لا نكتفي بتقديم برامج نظرية معزولة عن الواقع، بل نصيغ تدخلاتنا بما يتفق مع حساسية المجتمعات وخصوصيتها الثقافية؛ على سبيل المثال، نجحنا في دمج مفاهيم المواطنة والتربية المدنية ضمن "كتب محو الأمية"، لنصل إلى الفئات الأكثر احتياجاً بلغة تناسب واقعهم. ومع ذلك، يظل التحدي في "عنق الزجاجة" الخاص بتنفيذ السياسات، وتحويلها إلى نهج رسمي، لكن الاستجابة الفعلية على مستوى سياسات التعليم لا تزال دون الطموح.

•    في ظل تنامي خطاب الكراهية، خاصة بين الشباب وعبر الفضاء الرقمي، كيف يمكن للمنظومة التعليمية أن تكون حائط صد؟ وكيف نتعامل مع معضلة "المعلم" الذي تشبع البعض بفكر متطرف لسنوات ولا يزال مؤثراً في عقول الطلاب؟
العنصر البشري هو الأساسي في مواجهة خطاب الكراهية، داخل العملية التعليمية. فالمعلم الذي يتولى مهمة التعليم قد يأتي أحيانًا من بيئة لم تتوفر له فيها درجة كافية من الوعي، وقد تأثر في مراحل سابقة بظروف مجتمعية اتسمت ببعض أشكال التعصب، مما قد ينعكس على ما يقدمه داخل امن أفكار أو معلومات غير دقيقة عن الآخر، وهو ما يساهم بشكل غير مباشر في ترسيخ التمييز والكراهية.

 وفي مؤتمرنا الأخير، شددنا على ضرورة تنقيح المناهج والخطاب التعليمي من أي شوائب تمييزية، حتى تلك المستترة أو غير المباشرة. فالكراهية لا تأتي دوماً في شكل خطاب صريح، بل تبدأ من التمييز في المنهج بين الرجل والمرأة، أو بين الأديان، أو حتى بين الفئات الاجتماعية، وهذا التمييز هو الجذر الحقيقي لنبذ الآخر وغياب المساواة."

•    ماذا عن "السوشيال ميديا" التي أصبحت الشريك الأول في تشكيل وجدان الطالب؟ كيف نصنع توازناً بين التعليم التقليدي وهذا الانفجار الرقمي؟
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت قوة ضاغطة تخترق عقول الأطفال و الشباب بسرعة فائقة وتشكيل شخصياتهم ، لذا لا بد من استغلال هذه الوسيلة ذاتها لنشر ثقافة المواطنة ومحاربة التطرف، فالمعركة اليوم تتطلب بناء جهة من المعتدلين؛ كوادر مدربة قادرة على اقتحام هذه المساحات الرقمية لنشر خطاب المحبة والتسامح والتعددية. فالأزمة الحقيقية ليست فقط في وجود خطاب كراهية، بل في غياب جيش موازٍ يصنع التوازن الفكري ،هو ما يستدعي وجود جهد منظم لتكوين “قوة ناعمة” قادرة على نشر خطاب إيجابي يعزز قيم المحبة وقبول الآخر.

•    بالنظر إلى مسيرة الهيئة ومنتدى الحوار؛ ما هي أبرز المحطات التي تعتبرينها نجاحاً حقيقياً، وما هو سقف طموحاتك للمرحلة المقبلة؟
"يكمن نجاحنا الحقيقي في قدرتنا على اختراق المناطق المؤثرة؛ فنحن موجودون في قلب المحافظات، ونعمل مع صُنّاع الوعي الحقيقيين من إعلاميين، أكاديميين، معلمين، رجال دين، ومنظمات مجتمع مدني. لقد نجحنا في خلق مساحات آمنة للحوار، واستعنا بأرفع الخبرات لإعادة تشكيل الهوية الوطنية وبناء الإنسان المصري على أسس من الوعي والتسامح.

أما عن طموحي، فهو يتلخص في تحويل هذه الجزر الناجحة إلى حراك مجتمعي شامل. فرغم كثرة المطالب واتساع رقعة الاحتياجات، إلا أننا مستمرون في رسالتنا، وأتمنى أن نرى العديد من المؤسسات تسلك هذا الدرب؛ لنشكل معاً قوة ضاغطة قادرة على التأثير في السياسات العامة، وضمان وصول خطاب التنوير والمواطنة إلى كل بيت في مصر."

•    كيف نطور من التعليم الفني في المرحلة الراهنة، وكيف تري طرح الرئيس بربط التعليم بسوق العمل؟
"المعضلة في ملف التعليم الفني ليست في المناهج فحسب، بل في ثقافتنا المجتمعية التي لا تزال تضع المهن والحرف في مرتبة أدنى. لن يتقدم هذا المسار إلا إذا غيرنا نظرتنا للخريج الفني؛ فنحن لا نتحدث عن عامل عادي، بل عن متخصص يمتلك العلم والمهارة والاحترافية.

هنا يأتي دور الدولة والمؤسسات في وضع المعايير؛ فإذا كرمت الدولة نماذج من خريجي التعليم الفني وأبرزتهم كقدوة، سنخلق عدوى إيجابية تجعل الأسر تدرك أن هذه المهن هي ركيزة الاقتصاد الحقيقي وليست مجرد خيار ثانوي. إننا نتفق تماماً مع رؤية القيادة السياسية في أهمية الربط بسوق العمل، لكن الرهان الحقيقي يكمن في تكريس النماذج الناجحة؛ فحين تُخرج مدارسنا مئات الفنيين المهرة وتُصدرهم الدولة كأبطال للتنمية، ستتغير نظرة المجتمع تلقائياً. نحن نحتاج لتحويل هذا الربط إلى نجاحات ملموسة يراها الناس في واقعهم، لننقل التعليم الفني من خيار الضرورة إلى خيار التميز."."

•    بالنظر إلى سقف الحريات والمساحات المتاحة، هل نحتاج إلى حزمة قوانين جديدة لدعم المجتمع المدني والعملية التعليمية؟
إذا تم تطبيق القوانين القائمة بشكل فعّال، وليس التعامل معها باعتبارها مجرد نصوص على الورق، وبما يجعلها ملزمة وواجبة التنفيذ، فنحن بالفعل سننتقل إلى مرحلة مختلفة تمامًا. فالتشريعات الموجودة في مجملها منصفة، لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في النصوص، بل في آليات التطبيق، وهي ما يحتاج إلى إرادة حقيقية لضمان تنفيذ ما نصّت عليه القوانين.

•    كيف تقيمى لتعليم المدني أمام التعليم الديني، خاصة مع لجوء الكثير من الأسر للتعليم لأزهري كـ "بديل اقتصادي" وأسهل طريق للوصول لكليات القمة؟ ألا يمثل هذا التوجه عائقاً أمام تعميم قيم المواطنة والاحتكاك بالآخر؟
سميرة: هذا الوضع ليس جديدًا، بل هو قائم منذ فترة طويلة، ويُعد شكلًا من أشكال التعليم الموازي.علينا أولاً ألا ننساق وراء الأحكام العامة؛ فليس جميع الأفراد يمتلكون هذه العقلية، ولا يمكننا الجزم بأن المجتمع كله يتجه للتحويل نحو التعليم الأزهري. نعم، قد يكون هناك مؤشر يوحي بأن الأسر متوسطة أو محدودة الدخل تتجه لهذا المسار لكونه أقل تكلفة، لكن هذا الأمر يحتاج إلى دراسات إحصائية دقيقة وعلمية تقارن بين الأعداد سابقاً وحالياً قبل أن نُصدر حكماً نهائياً.

كما يجب أن ندرك أن الالتحاق بالأزهر ليس وليد اليوم وليس اقتصادياً فقط، بل هو توجه متجذر تاريخياً في وجدان الكثير من الأسر التي ترى في ذلك قيمة أدبية ودينية بمنح أبنائها مكانة كـ شيخ أزهري. لذا، نحن لا نتعامل مع الأمر كـ مواجهة، بل كضرورة لغرس قيم المواطنة والتعليم المدني في كافة مسارات التعليم، أياً كانت طبيعتها، لضمان بناء مواطن صالح ومستنير في كل مكان."