الباحث الأكاديمي: أثناسيوس سيرجيوس 

قراءةٌ في سيرةِ مؤرِّخة، وفي جدليّةِ المعرفةِ والسلطةِ وكاريزما التعليمِ في الكنيسة القبطية

تمهيد


ليست قيمةُ إيريس حبيب المصري (١٩١٠–١٩٩٤) في أنها دوَّنت تاريخَ الكنيسة القبطية فحسب، بل في أنها أسَّست نموذجًا جديدًا للمثقَّفِ القبطيّ العلمانيّ الذي يمارس خدمتَه بالبحثِ والتوثيقِ لا بالوظيفةِ الإكليريكية. ففي كنيسةٍ قِوامُها الذاكرة، وميراثُها دمُ الشهداء وسِيَرُ الآباء، ظلَّ التأريخُ الكنسيُّ زمنًا طويلًا وقفًا على الإكليروس والرهبان؛ فإذا بامرأةٍ علمانيّةٍ تحمل على عاتقها مشروعًا استغرق أربعةَ عقود، لتكتب أوَّلَ تاريخٍ متَّصلٍ للكنيسة القبطية بالإنجليزيةِ والعربية، فتغدو بحقٍّ إحدى أهمِّ مَن أسهم في تشكيلِ الوعي التاريخيّ القبطيّ في القرن العشرين. ولم تكن راويةً محايدةً بقدرِ ما كانت حارسةً لهُويّةٍ جماعية؛ إذ ردَّت إلى جماعةٍ مُثقَلةٍ بالاضطهاد صورتَها عن ذاتها، وأعادت إلى الحاضرِ القبطيّ ذاكرةً كانت مُبعثَرةً في 

المخطوطات والسنكسار.
١ — التكوين: مدرسةُ الغرب وقلبُ الشرق

وُلدت إيريس في العاشر من مايو ١٩١٠ لأسرةٍ قبطيّةٍ بارزة؛ كان أبوها حبيب المصري باشا من أعلامِ المجلس الملّيّ العامّ، معروفًا بدفاعِه عن حقوق الكنيسة وبحضورِه في الحياة القبطية العامة، وبانحيازِه الصريحِ إلى أن يُختار بطريركُ الإسكندرية من الرهبان لا من الأساقفة — وهو موقفٌ قانونيٌّ سيُلقي بظِلّه، كما سنرى، على ابنتِه وعلى تأريخها.

تعلَّمت في كلية البنات الأمريكية فأتقنت الإنجليزية إتقانَ أهلِها، ثم تلقَّت القبطية على يدِ العالِم يسّى عبد المسيح، أمينِ مكتبة المتحف القبطي، حتى استوى في لسانِها الطقسيُّ القديم. ثم واصلت دراستَها في بريطانيا حيث تخصَّصت في علم النفس وتربية الطفل، فعادت بنهجٍ في قراءة النفوس سيغذّي لاحقًا حسَّها التأريخيّ، ثم في كلية «دروبسي» بفيلادلفيا على يدِ المستشرق كيروس جوردون؛ فجمعت بين التكوينِ الغربيّ والانتماءِ العميقِ إلى التراث القبطيّ. وانتُدبت سنة ١٩٥٤ مندوبةً للكنيسة القبطية في الجمعية الثانية لمجلس الكنائس العالميّ، وحاضرت من ١٩٥٥ إلى ١٩٨٥ في التاريخ الكنسيّ بالكلية الإكليريكية، وكانت من أوائل المحاضرين في معهد الدراسات القبطية وأسهمت في دعمه وخدمته العلمية.

ولعلَّ أدلَّ حادثةٍ على تركيبِها النفسيّ ما جرى سنة ١٩٥٩، حين سجَّلت اسمَها — ومعها نحوُ خمسٍ وثلاثين سيدةً قبطية — في قوائم انتخاب البطريرك، فشُطِبت الأسماءُ قبل أن تُغيَّر اللائحةُ من أصلها. لم تكن تلك مغامرةً سياسيّةً بقدرِ ما كانت إعلانًا هادئًا عن حضورِ المرأةِ المثقّفةِ في قلبِ الشأن الكنسيّ؛ إعلانٌ سيتردَّد صداه في مشروعِها كلِّه.

٢ — «قصة الكنيسة القبطية»: المشروعُ والمنهج
لم يكن مشروعُها وليدَ الصدفة، بل جاء استجابةً لسؤالٍ طرحته عليها إحدى السيدات الغربيّات: كيف يلومُ الأقباطُ العالمَ على جهلِه بتاريخِ كنيستهم وهم لم يكتبوه بلغةٍ يفهمها العالم؟ فتحوَّل السؤالُ إلى مشروعِ عمر: كتبت «قصة الأقباط» بالإنجليزية أولًا، على غرارِ «قصة الحضارة» لوِلْ ديورَانت، ثم أعادت صَوغَها بالعربية في موسوعتها «قصة الكنيسة القبطية»، التي غدت المرجعَ التاريخيَّ الأوسعَ انتشارًا بين الأقباط عقودًا طويلة. 

وتكشفُ العلاقةُ العلميةُ بينها وبين الأب متى المسكين عن تقاربٍ في الحسِّ المنهجيّ والروحيّ، وإن كانت تفاصيلُ هذا التواصلِ تحتاجُ إلى توثيقٍ أوَّليٍّ من المراسلاتِ أو الشهاداتِ المعاصرة.

وقد صدرت الموسوعةُ في تسعةِ أجزاءٍ امتدَّت من رحلةِ العائلة المقدسة إلى العصر الحاضر؛ خُصِّص الجزءُ السابعُ لعهدِ البابا كيرلّس السادس (١٩٥٩–١٩٧١)، وضمَّ الجزءُ التاسعُ سِيَرَ ستَّ عشرةَ شخصيّةً معاصرةً بين إكليروسٍ وعلمانيّين.

ولم يكن منهجُ إيريس منهجَ المؤرِّخِ الأكاديميّ البارد الذي يكتفي بتسجيلِ الوقائع، بل منهجَ الشاهدِ المؤمنِ بتاريخِ كنيسته. كتبت التاريخَ بلغةٍ تجمعُ بين الدقّةِ والروح، وبين الوثيقةِ والسرد، وبين البحثِ العلميّ والانتماءِ الكنسيّ. 

ولهذا تعرَّضت أحيانًا لنقدِ بعضِ الأكاديميّين الذين رأوا أنَّ حرارةَ إيمانِها تؤثِّر في حيادها؛ وهو مأخذٌ لا يخلو من وجاهة. غير أنَّ قراءةً أعمقَ تُدرك أنَّ هذه الحرارةَ ليست عيبًا عارضًا بل هي جوهرُ المشروع: فالتأريخُ عندها فعلُ محبةٍ وتثبيتٍ لهُويّةِ أقليّةٍ مُهدَّدة؛ فهي لم تكتب تاريخًا للدراسة الجامعية فحسب، بل كتبت ذاكرةَ شعب. وبهذا المعنى تنتمي إيريس إلى نَسَبِ المؤرِّخ-الشاهد، لا المؤرِّخ-المحلِّلِ البارد.

٣ — العلمانيُّ الكنسيّ: خدمةُ الكنيسةِ بالقلم
ومن هنا تبرز أهميّتها الفكرية.

 وليس من قبيلِ المصادفةِ أن تكون إيريس — ابنةُ الرجلِ الذي نذر نفسَه لضبطِ شؤونِ الجماعةِ ونظامِها — هي التي انحازت إلى القطبِ النبويّ التعليميّ؛ فكأنَّ توثيقَها للتاريخِ كان ضربًا من مصالحةِ الوظيفتَين في شخصٍ واحد. وقد أجابت عن سؤالها بسيرتِها قبل كتبها: فقد ظلَّت حتى نهايةِ حياتها ابنةً للكنيسة، من غيرِ أن تتخلّى عن استقلالها العلميّ، ولم ترَ تعارضًا بين الوفاءِ للمؤسسةِ والوفاءِ للحقيقةِ التاريخية. وصحّةُ الكنيسة الروحيّةُ إنما تكمنُ في هذا التوتُّرِ الخلّاقِ بين القطبَين، لا في انتصارِ أحدهما وإسكاتِ الآخر.

خاتمة
لهذا لم تكن إيريس حبيب المصري مجرَّدَ مؤرِّخة، بل كانت حارسةً للذاكرة القبطية. حفظت للأقباطِ تاريخَهم في زمنٍ كان كثيرٌ من مصادرِه مهدَّدًا بالنسيان، وأثبتت أنَّ خدمةَ الكنيسةِ لا تقتصرُ على المنبرِ أو المذبح، بل تشملُ أيضًا القلمَ والأرشيفَ والبحثَ العلميّ. وتؤكِّد تجربتُها أنَّ الكنيسةَ التي تفسحُ المجالَ للمؤرِّخِ والباحثِ والمثقَّف لا تفقدُ سلطانَها، بل تُعمِّقُ وعيَها بذاتها؛ لأنَّ الذاكرةَ الصادقةَ ليست خصمًا للإيمان، وإنما إحدى أهمِّ أدواتِ حفظِه عبر الأجيال.

وهكذا بقيت إيريس حبيب المصري شاهدةً على أنَّ الكنيسةَ لا تُبنى بالسلطةِ وحدها، كما لا تُحفَظ بالمعرفةِ وحدها، بل بالشركةِ الخلّاقةِ بين الاثنين. فإذا كانت المؤسسةُ تحفظُ وحدةَ الجسد، فإنَّ المؤرِّخَ يحفظُ ذاكرته؛ وإذا كان الراعي يقودُ الكنيسةَ في الحاضر، فإنَّ الكاتبَ يحفظُها من أن تفقدَ ماضيها. ولذلك لم يكن قلمُ إيريس منافسًا للعصا الرعوية، بل وجهًا آخرَ من وجوهِ الخدمةِ الكنسية؛ لأنَّ الكنيسةَ التي تنسى تاريخَها سرعان ما تعجزُ عن فهمِ حاضرها وصناعةِ مستقبلها.

فقد جسَّدت ما يمكن تسميتُه «العلمانيَّ الكنسيّ» بالمعنى الأرثوذكسيّ الأصيل؛ أي المؤمنَ الذي يخدم الكنيسةَ بعلمِه لا بوظيفتِه الإكليريكية. وكانت تجربتُها برهانًا عمليًّا على أنَّ حفظَ التراثِ وكتابةَ التاريخِ ليسا حكرًا على رجالِ الدين، بل هما مسؤوليةُ الكنيسة كلِّها. 

ومن هذا المنطلق يمكن النظرُ إليها بوصفها إحدى الشخصيات التي مهَّدت لحضورِ المثقَّفِ القبطيّ العلمانيّ في المجال الكنسيّ، وهو مسارٌ سيظهر لاحقًا بأشكالٍ مختلفة عند مفكِّرين وباحثين آخرين، وإن اختلفت مناهجُهم ورؤاهم.

وفي هذا الفعلِ ما يستدعي قراءةً أعمق: فالمرأةُ العلمانيّةُ التي تُحصي البطاركةَ وتُرتِّبهم في سلسلةٍ واحدة إنما تمارِس — من موقعِ العلمانيةِ والأنوثةِ معًا — سلطةَ التسميةِ والترتيبِ التي طالما احتكرها المركزُ الإكليريكيّ؛ لا لتُنازِعَ السلطانَ الرَّاعويّ، بل لتُثبِتَ أنَّ الوعيَ بالذاتِ التاريخية حقٌّ للجماعةِ كلِّها.

٤ — مواضعُ التباين مع البابا شنودة الثالث
أمَّا علاقتُها بالبابا شنودة الثالث فلا يصحُّ اختزالُها في صورةِ خلافٍ شخصيّ، كما لا يصحُّ إنكارُ وجودِ تباينٍ فكريٍّ ومنهجيّ بينهما. فقد نشأت إيريس في بيئةٍ قانونيةٍ وكنسيةٍ تميلُ إلى التمسُّكِ بالتقليدِ التاريخيّ الذي يقضي باختيارِ البطريركِ من الرهبان لا من الأساقفةِ أصحابِ الكراسي — استنادًا إلى مبدأٍ قديمٍ يرى في الأسقفِ عريسًا لإيبارشيّتِه ويكره «نقلَه» من كرسيٍّ إلى كرسيّ، وهو ما قنَّنته المجامعُ الأولى كنيقية — وهو الموقفُ الذي تبنّاه أيضًا والدُها حبيب المصري باشا.

ولمَّا تناولت في كتاباتها انتخابَ البابا شنودة، الذي كان قبل انتخابِه أسقفًا عامًّا للتعليمِ والمعاهدِ الدينية، أشارت إلى ذلك بوصفِه تطوُّرًا تاريخيًّا ذا دلالةٍ كنسية — إذ صنَّفته في سلسلةِ بطاركةِ الإسكندرية بين مَن ارتقوا إلى الكرسيّ من رتبةِ الأسقفية — الأمرُ الذي يعكسُ اهتمامَها بالإشكالِ القانونيّ والتاريخيّ أكثرَ من كونِه موقفًا شخصيًّا من البابا. 

كما أنَّ انتماءَها العلميَّ إلى البيئةِ التي ضمَّت معهدَ الدراسات القبطية، وعلاقاتِها الفكريةَ بعددٍ من روّادِ النهضةِ اللاهوتيةِ والرهبانية — وفي مقدِّمتهم الأبُ متى المسكين — جعلها أقربَ إلى تيّارٍ يُعطي الأولويةَ للبحثِ والتعليمِ والتوثيق؛ في حين كان البابا شنودة يقودُ مشروعًا رعويًّا وتنظيميًّا واسعًا أعاد صياغةَ الحياةِ الكنسيةِ في النصفِ الثاني من القرن العشرين. وهنا ظهر التوتُّرُ الطبيعيُّ بين منطقِ المعرفةِ ومنطقِ الإدارة، وبين استقلالِ المؤرِّخِ وضروراتِ المؤسسة، وهو توتُّرٌ عرفته معظمُ الكنائسِ عبر تاريخها؛ وليس في جوهرِه سوى الجدليّةِ الدائمةِ بين كاريزما التعليمِ وسلطانِ المؤسسة.

ولم يكن الخلافُ — في تقديري — حول شخصِ البابا شنودة بقدرِ ما كان حول تصوُّرَين للكنيسة. الأولُ يرى أنَّ إنتاجَ المعرفةِ الكنسيةِ عمليةٌ تشاركيةٌ يُسهم فيها الباحثون والعلمانيون والمؤسساتُ العلمية؛ والثاني يميلُ إلى أن تتجمَّعَ المرجعيةُ التعليميةُ تدريجيًّا حول المركزِ البطريركيّ باعتبارِه الضامنَ لوحدةِ التعليم. وهنا لم تعُد القضيةُ مجرَّدَ اختلافٍ في اجتهادٍ قانونيٍّ حول انتخابِ البطريرك، بل اختلافًا في تصوُّرِ العلاقةِ بين السلطةِ والمعرفةِ داخل الكنيسةِ الحديثة.

وتتداولُ بعضُ الرواياتِ الشفويةِ أنَّ إيريس خاطبت البابا شنودة يومًا بقولها: «ماذا سيكتبُ عنك التاريخُ يا أنبا شنودة؟». غير أنَّ هذه العبارة، على شهرتها، لم يثبت لها حتى الآن توثيقٌ أوَّليٌّ يسمح بإثباتها تاريخيًّا؛ ولذلك تبقى في إطارِ الروايةِ المتداولة لا الوثيقةِ التاريخية.

أمَّا الثابتُ تاريخيًّا فهو أنَّ العلاقةَ بينهما لم تنتهِ إلى قطيعة؛ إذ زارها البابا شنودة في مرضِها الأخيرِ بمستشفى السلام، وصلَّى لأجلِها ومسحَها بالزيت قُبيلَ رحيلِها سنة ١٩٩٤، في مشهدٍ يعكسُ أنَّ الشركةَ الكنسيةَ كانت أوسعَ من أيِّ اختلافٍ في الرأي أو المنهج.

٥ — قراءةٌ تحليلية: المعرفةُ والسلطة، والذاكرةُ والنظام
وربما تكمنُ أهميةُ هذه العلاقةِ في أنها تكشفُ قضيةً أعمقَ من الأشخاص. 

فالسؤالُ الحقيقيُّ ليس: مَن كان على حقّ؟ بل: كيف تتعاملُ الكنيسةُ مع المعرفةِ حين تقتربُ من مناطقِ السلطة؟ وهل يستطيعُ المؤرِّخُ أن يكتبَ بحريةٍ كاملة، وأن يبقى في الوقتِ نفسِه ابنًا أمينًا لكنيسته؟

وعلى المستوى الأعمق، تُجسِّد سيرتُها الجدليّةَ الدائمةَ بين وظيفتَين لا غنى للكنيسةِ عن إحداهما: وظيفةِ الحفظِ والنظام — وهي وظيفةٌ «فوق-أنويّة» بالمصطلح النفسيّ، تحرسُ الحدَّ والقانونَ والاستمرار — ووظيفةِ الشهادةِ والتعليم، وهي وظيفةٌ نبويّةٌ كاريزميّةٌ تنشدُ الحقيقةَ ولو زعزعت الطمأنينة.