هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
قام متشددون من قرية التل القبلية بمحافظة المنيا بالاعتداء على أقباط القرية أثناء تأدية الصلاة، حيث حاصروهم ومنعوا المصلين المسيحيين من الخروج، كما حطموا سيارة أحد الكهنة وقطعوا التيار الكهربائي عنهم، مما أسفر عن إصابة اثنين من الأقباط.
وفي هذا السياق كتب نيافة الأنبا مكاريوس صباح أمس الأربعاء على منصة "إكس": "يقوم بعض المتطرفين الآن في قرية التل القبلية بالمنيا بالاعتداء على الأقباط وتحطيم سيارة الكاهن ومنع المصلين من الخروج من الكنيسة وقطع التيار الكهربائي. وكان قد تم إبلاغ المسؤولين عدة مرات بتحرشات متعددة سابقة، موثقة بصور وفيديوهات تؤكد تكرار الاعتداءات".
ثم كتب نيافته منشوراً آخر أعلن فيه عودة الهدوء إلى القرية بعد وصول قوات الشرطة وإلقاء القبض على المحرضين والمشاركين في الأحداث، وأضاف: "جارٍ التحقيق معهم، وتم كذلك حصر التلفيات، وإرسال المصابين للعلاج، ودراسة تعويض المتضررين"، موجهاً الشكر للمسؤولين لتحركهم الفوري.
وبالنظر إلى الواقعة قانوناً، فقد فوجئ الأقباط بتجمهر هؤلاء المتشددين واتفاقهم فيما بينهم على هدف إجرامي واحد هو التعدي على الأقباط وممتلكاتهم لمجرد تأدية الصلاة، وهو ما يُعد ترويعاً لأقباط القرية. وكل هذه الأفعال الإجرامية التي ارتكبها المتشددون مؤثمة قانوناً وفقاً للمادتين 86، 86 مكرر "أ" من قانون العقوبات.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن مثل هذه الوقائع المؤسفة من الاعتداء على الأقباط تمثل إخلالاً بالنظام العام، وتعريضاً لسلامة وأمن المجتمع للخطر، وإضراراً بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وترويعاً للآمنين، وتعريضاً لحياة الغير للخطر، وإتلافاً لممتلكات الغير.
وعلى إثر ذلك قامت كافة الجهات المعنية بالسيطرة على الأحداث.
في تقديري ، فإن ما اقترفه الجناة في حق الأقباط يُعد أيضاً استعراضاً للقوة وتعريضاً لحياة الآخرين للخطر، وذلك وفقاً لنص المادتين 375 مكرر، 375 مكرر "أ" من قانون العقوبات. وتنص المادة 375 مكرر على: "يعاقب بالحبس كل من قام بنفسه أو بواسطة الغير باستعراض القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد بأيهما، وذلك بقصد ترويعه أو التخويف بإلحاق أي أذى مادي أو معنوي به، أو الإضرار بممتلكاته لفرض السطوة عليه - أو إرغامه على القيام بعمل، أو تكدير الأمن أو السكينة العامة، متى كان من شأن ذلك الفعل أو التهديد إلقاء الرعب في نفس المجني عليهم أو تكدير أمنهم أو سكينتهم أو تعريض حياتهم أو سلامتهم للخطر أو إلحاق الضرر بشيء من ممتلكاتهم أو مصالحهم أو المساس بحريتهم الشخصية أو شرفهم أو اعتبارهم".
كما تنص المادة 375 مكرر "أ" على: "يُضاعف كل من الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة المقررة لأية جنحة أخرى تقع بناءً على ارتكاب الجريمة المنصوص عليها في المادة 375 مكرر، ويرفع الحد الأقصى لعقوبتي السجن والسجن المشدد إلى عشرين سنة لأية جناية أخرى تقع بناءً على ارتكابها. وتكون العقوبة الإعدام إذا تقدمت الجريمة المنصوص عليها في المادة 375 مكرر أو اقترنت أو ارتبطت بها أو تلتها جناية القتل العمد المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 234 من قانون العقوبات".
وبناءً عليه، فإن ما ارتكبه هؤلاء الجناة من أفعال تشكل جرائم جنائية مكتملة الأركان تضعهم تحت طائلة القانون، وليس هناك أي مبررات لتلك الجرائم على الإطلاق.
وهنا يثور التساؤل: من الذي نصب هؤلاء المتشددين أولياء أو أوصياء على المجتمع؟ ولماذا يظنون أنهم بمنأى عن العقاب وغير خاضعين لسلطات الدولة؟ والأخطر أن الأمر في تصورهم وتصور الكثيرين سوف ينتهي في الغالب الأعم بجلسات الصلح العرفية، فيدفع المواطنون فاتورة بعض أشكال التعصب والجهل وانتشار الأفكار الرجعية المتطرفة وعدم قبول الآخر وثقافة البادية. ويرجع ذلك لعدم معالجة الأحداث في نطاق تطبيق دولة سيادة القانون، ومن ثم يتكرر مسلسل الاعتداء على الأقباط، وقد يفلت الجناة من العقاب، فمن أمن العقاب أساء الأدب.
ونرى أن الجلسات العرفية للصلح تمثل افتئاتاً على دولة سيادة القانون ومبدأ المواطنة. والحل الأمثل لمواجهة مثل هذه الجرائم هو التطبيق الفوري لأحكام الدستور والقانون دون تمييز أو انتقاء، فمن أخطأ يحاسب.*
ومع الأسف الشديد، فقد ساهمت الجلسات العرفية في زيادة هذه الجرائم وتعميق النزاعات الطائفية بدلاً من احتوائها، لافتقارها إلى أبسط الضمانات الدستورية والقانونية لأطراف النزاع. كما تحولت إلى وسيلة للقهر والاستبداد وضياع الحقوق، وفيها تعطيل للدستور والقانون، وتكريس للانقسامات والخلافات، وإثارة للضغائن بين أفراد المجتمع.
لذا ، يجب التعامل بكل حزم مع الخارجين عن القانون حتى لا يتكرر هذا السيناريو المؤسف، وتنتقل عدوى الاعتداء على الأبرياء من مكان لآخر، كأننا نسير في حلقة مفرغة ونكتفي بدور المتفرجين والشجب والإدانة، وننتظر وقوع الأحداث القادمة التي تحدث بنفس الكيفية، وكأننا لا نتعلم من أخطائنا السابقة.
جدير بالذكر إن منع الأقباط من ممارسة أبسط حقوقهم المشروعة في حرية العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية في كنيستهم مخالف لكافة الدساتير المصرية المتعاقبة والدستور الحالي في مادته 64، ومخالف أيضاً لقانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016 الذي يقرر أنه "لا يجوز منع أو وقف ممارسة الشعائر والأنشطة الدينية في أي من هذه المباني وملحقاتها لأي سبب كان"، ولا يوجد أي قانون في الدولة يمنع حرية العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
وفي هذا المقام لا بد من الإشارة إلى أن قانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016 يشوبه شبهة عدم دستورية، وأثبت قصوره في معالجة أزمات بناء الكنائس، ويجب تعديله في أسرع وقت لأنه لم يحقق الهدف الذي أنشئ من أجله بل زاد الأمور تعقيداً. وهناك ثغرات في هذا القانون سبق وأن حذرنا منها، وفيه عبارات قد تكون غير منضبطة من الناحية القانونية يساء تفسيرها، وقد تمنع إقامة الكنائس وتعطي للبعض التحكم في الأقباط ومنعهم من الصلاة وفق رغباتهم وأهوائهم وانتمائهم الشخصي.
ومن ناحية أخرى، فإن التيارات الدينية المتطرفة التي ترفض قبول الآخر وتتخذ من صلاة الأقباط في كنائسهم ذريعة للنيل منهم تهدد السلام الاجتماعي للبلاد، وتخلق حالة من الاحتقان بين المصريين قد يستغلها أعداء الوطن في الداخل والخارج للنيل من المصريين.
لذلك يجب على كافة السلطات المعنية بالدولة أن تتحمل مسؤولياتها الدستورية والقانونية، والتدخل السريع والعاجل لحل هذه الأزمات. ولعل الحل الوحيد الآن هو تطبيق دولة سيادة القانون، واحترام مبدأ المواطنة، والاستجابة لمطالب الأقباط العادلة لممارسة شعائرهم الدينية بحرية كاملة.
ونطالب السيد الأستاذ المستشار النائب العام بصفته صاحب الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى الجنائية بإجراء تحقيق عاجل مع الجناة والمحرضين لهم، وإذا ثبت ارتكابهم لتلك الجرائم يتم إحالتهم إلى محاكمة جنائية عاجلة وتوقيع أقصى عقوبة مقررة عليهم قانوناً، وذلك لتحقيق الردع العام والخاص، وحماية السلام الاجتماعي والأمن القومي للبلاد.
كما نطالب اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 602 لسنة 2018 باتخاذ كافة التدابير الاحترازية اللازمة وفقاً للقانون لمواجهة مثل هذه الأزمات، لمنع حدوث أحداث طائفية تضر بمصلحة البلاد، وإيجاد حلول فعالة لكافة القضايا العالقة، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه النيل من سلامة وأمن المجتمع ووحدة المصريين.
وأناشد مجلس النواب الموقر بتعديل قانون بناء الكنائس ليكون قانون بناء موحد لدور العبادة لكل المصريين، والإسراع في إنشاء مفوضية عدم التمييز المنصوص عليها في المادة 53 من الدستور الحالي.





