بقلم الأب يسطس الأورشليمى

كلمة ناحُوم معناها معزي، فمع أن كثير من الأنبياء عاشُوا في فترة ظُلمة رُوحية حالكة، لكن وسط الكشف عن هذا المرض الخطية وخطُورتها، كانُوا يفتحُون باب الرجاء بالتوبة مُعلنين عن بركاتها: عزُوا، عزُوا شعبي، وقد جاء اسمه يتناسب مع رسالته..
 
السفر يُقدم تعزية للشعب، مظهراً أن الله سمح لمملكة إسرائيل بالسبيّ الأشُوري لتأديبهُم، وفي نفس الوقت سيهلك أعداءهُم الذين أذلوهُم وسخرُوا بهُم وبإلههم، ناحُوم معزي العالم انتهر مدينة الدماء، وإذ طُرحت صرخ: هُوذا على الجبال قدما مُبشّر مُناد بالسلام..
 
ينسب ناحُوم نفسه إلى قُوش، يظن البعض أنها قرية في الجليل، بينما يرى البعض أنها على شاطيء دجلة الشرقي على بعد أميال قليلة من نينوى، هذا ما حمل البعض الاعتقاد أن ناحُوم كان أحد المسبيين هُناك، خاصة أنه يعلم أحوال ما بين النهرين جيداً..
 
إذ كانت مملكة إسرائيل قد سقطت تحت السبيّ الأشُوري، ترقب بعض الأنبياء سقُوط مملكة يهُوذا تحت السبيّ البابلي لتلحق بأختها إسرائيل، سجل لنا ناحُوم هذه النبُوة، فيُعلن عن خراب نينوى بسبب استخدامها للعنف، وكان في هذا تعزية لإسرائيل المسبية..
 
قيل أنه هرب إلى يهُوذا أثناء الغزُو الأشُوري على إسرائيل، وأقام في أورشليم حيثُ شهد بعد 7 سنوات حصارها بواسطة سنحاريب ملك أشُور، وقد هلك الآشوريُون، فمات 185 ألف نسمة في ليلة واحدة، وكتب السفر بعد ذلك بقليل (2مل19:18؛ نا11:1)..
 
موضوع سفر ناحُوم هُو: إعلان مصير الارتداد عن الله، لهذا تحدث عن إمبراطورية نينوى العظيمة التي قامت على العنف، وانتهت بالعنف بعد 85 عاماً من النبُوة، كما تحدث عن دمار طيبة في مصر المُعتد بالذراع لبشري، فالخطية تقُود حتماً إلى الهلاك..
 
يبرز الصراع بين عمل الله الحيّ والمقاومين، بأسلوب شعري رائع، كاشفاً عن قُدرة الله وعدله الذي يُسيّر التاريخ حسب إرادته المُقدسة، وكتب نبُوته قبل خراب نينوى عاصمة مملكة أشُور..
 
الإصحاح الأول: الله الديان الغيُور..
جاء نسل أهل نينوى الذين اغتصبُوا مراحم الله بالتوبة (يُونان3) قاسياً، فكان ملوكهُم يتسلون بجذع أنوف الأسرى وعيُونهُم، وبتر أيديهُم وأرجلهُم، وعرضهُم هكذا أمام الشعب للسخرية بهُم..
 
الرّب إله غيُور، يغير على اسمه وعلى شعبه، إن كانت نينوى صارت بحراً ينتهرها الله فتجف لأنه يقاوم الظالمين، يغضب عليها إذ كانت قشاً بلا ثمر، مُستهترة في سكرها، ويطمئن أولاده..
 
الإصحاح الثاني: سلام للمتكلين عليه..
الله في غيرته لا يطيق الشرّ، يحفظ المُتكلين عليه ويرد عظمة يعقُوب.. لأن السالبين سلبُوهُم واتلفُوا قُضبان كرُومهم..
يصور خراب نينوى تحت اسم رمزي، وفي وصفه للخراب يُعلن عن عمل الخطية: فراغ بلا شبع، خلاء بلا ملء، خراب رُوحي بلا بنيان، قلب ذائب بلا قوة، ارتخاء ركب بلا تحرك، وجع في كُل حقوٍ بلا إمكانيات للعمل، أوجه مُحمرة خجلاً بسبب العار (10)..
إن ظن الإنسان في نفسه أنه أسد أو لبُوة أو شبل، ففي سلُوكه في الشرّ يفقد كُل سُلطان وإمكانية (11-13)..
 
الإصحاح الثالث: محاكمة نينوى..
 
الله في أبُوته يكشف عن سرّ إدانتهُم، إذ هو يحاور ويُحاجج..
 
أما سرّ الإدانة فهُو:
القسُوة مع الآخرين، ويل لمــــــــــــدينة الدماء (1)..
الكذب، تُحرم نفسهـــــا من الحقّ وتطلب الباطل..
الزنا، تفقد النفس جمالها الرُوحي وقُوتها فتهلك..
لم تتعظ بالآخـــرين مثل طيبة، أما فاعلية الشرّ..
تجعل جيشهــــــا نساء مدللات وضعيفات (13)..
تدخل بهُم في الطين، فيحملُون فكــــــــــــــــراً أرضياً..
يصير رُؤساؤهُم جراداً (17) يسلبُون الشـــــــــــعب..
يتشتت الشعب، ويصيرُون عبـــــــــــــــــرة لمَن يعتبر..