بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لم يروِ لنا الكتاب تاريخ الشعب في أرض السبيّ، لكنه ركز على أحداث العُودة، كما قدم صُورة ساطعة لشخصيات قيادية عاشت أمينة له، وقدمت بطُولات نادرة، إنه يود أن يُؤكد لنا حقيقتين:
 
أولاً: ما يشغل الله حتى في لحظات التأديب هُو: العُودة من السبيّ، عُودة النفس من سبيّ إبليس إلى الأحضان الإلهية..
 
ثانياً: ظهُور أبطال وسط الضيق، حيثُ عانى الغيورُون من الحرمان من هيكل الرّب بكُل ما يرافقه من عبادة الله الحيّ..
 
سقطت إسرائيل ثُم يهُوذا تحت السبيّ للتأديب، وفي أرض السبيّ وُجد قديسُون على كُل المستويات، من بين هُؤلاء ننعم بالشخصيات التالية التي حملت سمات متنُوعة، ومتباينة:-
 
أولاً: دانيال، أخُذ أسيراً في سبيّ يهُوذا، وهُو الرجُل المحبُوب جداً لدى الله كشهادة رئيس الملائكة جبرائيل (دا11:10)، هزّ قلُوب أباطرة، وتحول جُب الأسود الجائعة إلى سماء، حيثُ رأى ملاك الرّب يسد أفواههُم، وانفتحت عيناه ليرى مجيء المسيّا ليُخلّص البشرّية..
 
ثانياً: الثلاثة فتية، كانُوا أمناء لله فحُول لهُم أتُون النار إلى ندى، حيثُ قالُوا: باركُوا الرّب يا حنانيا وعزريا وميصائيل، سبحُوه وارفعُوه إلى الدهر، لأنه أنقذنا من الجحيم، وخلّصنا من يد الموت، وانتشلنا من وسط أتُون اللهيب المُضطرم، ومن وسط النار حفظنا..
 
ثالثاً: حزقيال، كاهن لم يُمارس العمل الكهنُوتي، أراه الله هيكل الرّب في رُؤيا، وانفتحت أمامه أبواب السماء ليرى العرش الإلهي، والمدينة المُقدسة، مُقدماً نبُوات عن هيكل العهد الجديد..
 
رابعاً: زربابل، قاد أول دُفعة إلى إسرائيل، واشترك مع يشُوع رئيس الكهنة والكهنة في بناء المذبح، وتنظيم العبادة..
 
أقُيم والياً ووضع أساس الهيكل، ورأى فيه الملك ورجال الدولة والقادة حتى الشعب الفارسي صُورة رائعة للإنسان المُتهلّل داخلياً حتى في أرض السبيّ ووسط المتاعب والشدائد والضيقات..
 
راجع (عز8:1؛ 2:2؛ 1:3؛ زك6:4-10)..
 
خامساً: مُردخاي، مسبي مجهُول يعمل في القصر، أنقذ الملك من مُؤامرة ضده، وأنقذ شعبه بإيمانه العجيب بالله، وانسحاق قلبه وشجاعته ومساندته لأستير الملكة، راجع الكتاب (إس17:4)..
 
سادساً: أستير، فتاة مسبية يتيمة الوالدين صارت ملكة، لكنها لم تشته أن تجلس على المائدة الملُوكية، أطاعت مُردخاي ووضعت عنقها لتفتدي شعبها برُوح التواضع مع الصوم والصلاة..
 
سابعاً: عزرا، كان محبُوباً من الإمبراطُور الفارسي الذي وثق فيه، فسمح لليهُود بالعُودة إلى أورشليم، أحب كلمة الله وجمع أسفار الكتاب المُقدس، إنه يُمثل الكاهن الذي يهتم برُوح العبادة، مع التمتع بكلمة الله والحياة المُقدسة، دُون تجاهل الجوانب الأخرى من الحياة..
 
ثامناً: نحميا، قائد حيّ، مركزه السامي كساقي الملك لم يشغله عن الاهتمام بشعبه وبلده، لم يكن وهُو في السّبي قائداً دينياً، ولا مدنياً، ولا عسكرياً لشعبه، لكنه قام بدور هذه القيادات خلال حبه لله، وممارسته للتوبة وشخصيته الرُوحية الفريدة، مع إيمانه بوعُود الله: اذكر الكلام الذي أمرت به مُوسى عبدك .. راجع الكتاب (نح8:1)..
 
كما أن يهُوذا سُبي على ثلاث مراحل، عاد اليهُود من السبّي إلى أورشليم على ثلاث مراحل، وكأن الله يدفع شعبه دفعاً للعُودة إلى أورشليم وإعادة بناء الهيكل، أحياناً بواسطة ملُوك وثنيين.. 
 
كان كثيرُون قد استقرُوا في بابل، وأقامُوا مشاريع تجارية ضخمة، فلم يرغبُوا في العُودة، حتى الذين عادُوا إلى أورشليم انهمك بعض الأغنياء منهُم في بناء بيُوتهُم، مُقدمين أعذاراً كثيرة بأنه لم يحن وقت بناء الهيكل بسبب المقاومة من السامريين وغيرهُم..
 
في هذا العصر اجتذب بُوذا كثيراً من الهنُود إليه (560-480) ق.م بأفكاره السلُوكية البحتة، وأيضاً كُونفشيُوس في الصين (551-479) ق.م واجتذب سقراط بأفكاره الفلسفية كثيراً من اليُونانيين (470-399) ق.م، بينما لا يُريد شعب الله الاتحاد به..