هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أثار الحكم الصادر من محكمة النقض برفض الطعنين المقدمين من وزيرة الثقافة، وتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية، نقاشًا قانونيًا حول مدى انتهاء الخصومة، وما إذا كان النظام القانوني المصري يجيز أي سبيل استثنائي لمراجعة هذا الحكم بعد أن أصبح نهائيًا وباتًا.
ولعل من الأهمية بمكان التفرقة بين احترام حجية الأحكام النهائية، باعتبارها إحدى ضمانات استقرار المراكز القانونية، وبين الاعتقاد الخاطئ بأن الحكم النهائي يغلق جميع الأبواب القانونية على إطلاقها.
فالقانون المصري، شأنه شأن معظم التشريعات المقارنة، يقرر مبدأ نهائية الأحكام، لكنه يجيز – على سبيل الاستثناء – طرقًا محددة للطعن لا يجوز القياس عليها أو التوسع في تفسيرها.
أولًا: حكم محكمة النقض برفض الطعن وأثره القانوني.
الأصل أن الحكم الصادر من محكمة النقض برفض الطعن يترتب عليه اكتساب الحكم المطعون فيه قوة الأمر المقضي، ويصبح عنوانًا للحقيقة القانونية فيما فصل فيه بين الخصوم، بما يمنع إعادة طرح ذات النزاع أمام القضاء.
وهذا المبدأ يمثل إحدى الدعائم الأساسية لاستقرار المعاملات، فلا يجوز أن تبقى المنازعات مفتوحة إلى غير نهاية، وإلا انهارت حجية الأحكام وفقد القضاء رسالته في تحقيق الأمن القانوني.
ومن ثم، فإن رفض الطعن بالنقض لا يعد مجرد تأييد للحكم المطعون فيه، وإنما يضفي عليه نهائية وباتة تمنع العودة إلى مناقشة الأسباب التي سبق عرضها على محكمة الموضوع أو على محكمة النقض.
ثانيًا: التساؤل الذي يطرح نفسه هل يعني الحكم النهائي والبات استحالة مراجعته مطلقًا؟
الإجابة القانونية هي: لا.
فالمشرع المصري وإن كان قد قرر مبدأ نهائية الأحكام، إلا أنه استحدث طريقًا استثنائيًا هو الالتماس بإعادة النظر، غير أنه قصره على حالات محددة على سبيل الحصر، إعلاءً لمبدأ استقرار الأحكام ومنعًا لتحوله إلى وسيلة طعن جديدة.
ومن ثم، فإن الالتماس ليس درجة ثالثة من درجات التقاضي، وليس طريقًا لإعادة تقييم الأدلة أو مراجعة ما انتهى إليه تقرير الخبرة أو إعادة مناقشة وقائع الدعوى.
ثالثًا: حالات الالتماس بإعادة النظر؟
حدد قانون المرافعات المدنية والتجارية حالات الالتماس بإعادة النظر على سبيل الحصر، وذلك وفقاً لنص المادة 241 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تنص على: للخصوم أن يلتمسوا إعادة النظر في الأحكام الصادرة بصفة انتهائية في الأحوال الآتية:
1-إذا وقع من الخصم غش كان من شأنه التأثير في الحكم.
2-إذا حصل بعد الحكم إقرار بتزوير الأوراق التي بُني عليها أو قُضي بتزويرها. 3-إذا كان الحكم قد بُني على شهادة شاهد قُضي بعد صدوره بأنها مزورة. 4-إذا حصل الملتمس بعد صدور الحكم على أوراق قاطعة في الدعوى كان خصمه قد حال دون تقديمها.
5-إذا قضى الحكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوا.
6-إذا كان منطوق الحكم مناقضاً بعضه لبعض.
7-إذا صدر الحكم على شخص طبيعي أو اعتباري لم يكن ممثلاً تمثيلاً صحيحاً في الدعوى، وذلك فيما عدا حالة النيابة الاتفاقية.
8-لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوى حجة عليه ولم يكن قد أُدخل أو تدخل فيها بشرط إثبات غش من كان يمثله أو تواطئه أو إهماله الجسيم.
ونصت المادة 242 من ذات القانون على أن ميعاد الالتماس 40 يوماً، ولا يبدأ في الحالات المنصوص عليها في الفقرات الأربع الأولى من المادة السابقة إلا من اليوم الذي ظهر فيه الغش، أو الذي أقر فيه بالتزوير فاعله، أو حكم بثبوته، أو الذي حكم فيه على شاهد الزور، أو اليوم الذي ظهرت فيه الورقة المحتجزة. ويبدأ الميعاد في الحالة المنصوص عليها في الفقرة السابعة من اليوم، الذي يُعلن فيه الحكم إلى من يمثل المحكوم عليه تمثيلاً صحيحاً. ويبدأ الميعاد في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثامنة من اليوم الذي ظهر فيه الغش أو التواطؤ أو الإهمال الجسيم.
ويستفاد من ذلك أن الالتماس لا يقبل لمجرد الادعاء بخطأ المحكمة في تقدير الوقائع أو تفسير القانون، وإنما يجب أن يستند إلى سبب قانوني محدد نص عليه المشرع.
رابعًا: وماذا عن موقف محكمة النقض من الالتماس؟
استقر قضاء محكمة النقض على أن الالتماس بإعادة النظر طريق طعن استثنائي، لا يجوز التوسع في تفسير أسبابه أو القياس عليها، وأنه لا يصلح وسيلة لإعادة طرح النزاع أو مجادلة المحكمة فيما انتهت إليه من تقدير الأدلة أو ترجيح أقوال الخبراء.
كما أكدت المحكمة في العديد من أحكامها أن قوة الأمر المقضي تحول دون إعادة نظر النزاع ذاته، وأن الالتماس لا يهدف إلى تصحيح ما يراه الخصم خطأً في التطبيق أو التقدير، وإنما إلى مواجهة عيوب استثنائية حددها القانون على سبيل الحصر.
خامسًا: التطبيق على القضية محل الحكم
إذا صحت البيانات المتداولة بشأن صدور حكم محكمة النقض برفض الطعنين وتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية، فإن الأصل أن الخصومة قد انتهت، وأصبح الحكم واجب التنفيذ ويتمتع بحجية الأمر المقضي.
وعليه، فإن مجرد الاختلاف مع ما انتهى إليه تقرير اللجنة الثلاثية أو مع تقدير المحكمة لمسألة الاقتباس أو النقل الحرفي لا يشكل بذاته سببًا قانونيًا يبرر الالتماس بإعادة النظر.
أما إذا ظهرت – بعد صدور الحكم – واقعة جديدة تدخل في إحدى الحالات التي حددها قانون المرافعات، كاكتشاف مستند حاسم كان يتعذر تقديمه قبل الفصل في الدعوى، أو ثبوت تزوير مستند جوهري، أو قيام غش أثر في تكوين عقيدة المحكمة، فإن الأمر يستوجب دراسة مدى انطباق إحدى حالات الالتماس دون افتراض مسبق لتوافرها.
سادسًا: هل الالتماس هو المخرج القانوني في هذه القضية؟
من منظور قانوني مجرد، لا يمكن الجزم بذلك.
فالقول بأن الالتماس هو المخرج القانوني الوحيد يقتضي أولًا التحقق من توافر إحدى الحالات التي نص عليها القانون، لأن المحكمة تقضي بعدم قبول الالتماس إذا بني على أسباب تخرج عن تلك الحالات.
وبالتالي، فإن أي فريق دفاع يتجه إلى هذا الطريق ينبغي أن يسبق ذلك بفحص دقيق لكامل ملف الدعوى، وتقارير الخبرة، والمستندات، ومحاضر الجلسات، للتحقق مما إذا كانت هناك واقعة قانونية جديدة تبرر الالتماس، لا مجرد إعادة عرض أوجه الدفاع السابقة.
ونرى إن احترام الأحكام النهائية لا يتعارض مع كفالة المشرع لطرق الطعن الاستثنائية، وإنما يقوم على تحقيق التوازن بين استقرار المراكز القانونية وضمان العدالة.
ومن ثم، فإن الحكم الصادر من محكمة النقض يمثل – من حيث الأصل – نهاية الخصومة واكتساب الحكم لحجية الأمر المقضي، ولا يفتح باب الالتماس إلا إذا قامت إحدى الحالات المحددة حصرًا في قانون المرافعات.
وعليه، فإن الدفاع القانوني الرصين بعد صدور هذا الحكم لا ينبغي أن يبنى على افتراض وجود طريق طعن جديد، وإنما على بحث موضوعي ودقيق في مدى توافر الأسباب الاستثنائية التي أجازها القانون، فإن وجدت كان الالتماس حقًا مشروعًا، وإن لم توجد بقي الحكم النهائي والباب واجب الاحترام والتنفيذ، اتساقًا مع مبدأ سيادة القانون واستقرار الأحكام القضائية.






