أكرم الفي
دراسة: شيخوخة السكان وتراجع المواليد يعززان النمو عكس التوقعات .. هكذا كان عنوان تقرير على موقع اقتصادي كبير في العالم العربي اليوم.. توقفت لوهلة فهي ترجمة لتقرير صغير جدا على موقع بلومبيرج عن دراسة دارون اسيموجلو الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد.
كعادتنا لا تعليق على من الموقع على الدراسة الأهم أن نصنع عنوان وتريند أن تراجع المواليد والشيخوخة يقودان للنمو الاقتصادي..
وبما أن هذه الرؤية تتعارض مع وجهة نظري ووجهة نظر مدرسة الديموجرافيا الاقتصادية الجديدة في اميركا وأوروبا فإن قراءة الدراسة كانت واجبة..
مبدئياً ان تتبنى وجهة نظر مختلفة عن حائز جائزة نوبل للاقتصاد ليس "مصيبة" وهنا اتبنى دائماً مقولة الإمام أبو حنيفة النعمان "هم رجال ونحن رجال".. فالتفسير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ليس حكراً على أحد ولو كان حائز على جائزة نوبل..
ولكن هل استنتج اسيموجلو أن تراجع المواليد تنعش الاقتصاد في دراسته؟.. قول فصل فإن اسيموجلو في دراسته الأخيرة تحدث عن نصيب الفرد العامل من الناتج المحلي الإجمالي مما يبقي الناتج المحلي الإجمالي الكلي بدون تغيير.. أي أن استخدام المؤسسات والشركات للتكنولوجيا يمكن أن تحافظ على نفس مقدار النمو الاقتصادي أو أن ينخفض قليلاً ولا يدفع نقص المواليد إلى تدهور عنيف في الاقتصاد..
طبعا هنا النقاش حول أميركا والصين وكوريا واليابان فدولة مثل مصر تستفيد حالياً من تراجع النمو السكاني وتراجع معدلات المواليد وهي استفادة ستظل لنحو 15 عاماً على الاقل.. فالحديث هنا ليس عن مصر حتى لا ندخل في نقاش ان نقص المواليد سيفيد الاقتصاد المصري فمصر لم تصل بعد إلى نقطة الاقتراب من الانكماش السكاني أو ارتفاع معدلات الشيخوخة.
هل الاستنتاج واضح أم لا؟ استنتاج اسيموجلو أن الاقتصاد سيتأثر ولكن مع استخدام التكنولوجيا قد يحافظ على نفس معدلات النمو لفترة بسبب الابتكارات وزيادة حجم رأس المال والتحول إلى الصناعات عالية التقنية مما يدفع لزيادة انتاجية العامل لتعويض النقص الهائل في القوة البشرية ولكن هذا لا يقود إلى انتعاش اقتصادي بل إلى الحفاظ على معدلات النمو أو تراجعها بشكل طفيف.
هنا لم يطرح اسيموجلو في دراسته التي اطلعت عليها أبداً فكرة أن انخفاض المواليد وشيخوخة السكان يعززان النمو .. بل تحدث عن زيادة الانتاجية.
اسيموجلو من مدرسة أن المؤسسات هي مركز النمو وأن الابتكار والمؤسسية سيحميان الاقتصاد الرأسمالي وليس الميل للاحتكار وتركز الثروة وأن الأخير سيقود إلى الفشل الاقتصادي العالمي.. وبالتالي فإن مركزه كيف يمكن أن تعوض المؤسسات نقص العمالة بدون التعرض لنظام المعاشات والتكافل الاقتصادي.
دراسة اسيموجلوا التي قام بها مع ديفيد اوتور وكيلام بيرن واندرو سكوت (والاخير اثق شخصياً في قدراته النظرية أكثر من اسيموجلو نفسه وهو استاذ اقتصاد مهم جدا في كلية لندن للاعمال) تتحدث بشكل مباشر عن أن هناك "كارثة" بتراجع معدل الخصوبة من 3.7 طفل لكل سيدة في عام 1950 إلى نحو 1.7 طفل لكل سيدة في 2025 فإن مشاركة المرأة في سوق العمل والانتقال من الزراعة إلى الصناعة لم ينجحا بشكل واضح في رفع الانتاجية وأن العامل الرئيسي كان الانتقال إلى الصناعات عالية التقنية.
وتحدثت الدراسة بوضوح عن أن الصناعات عالية التقنية هي التي انقذت الاقتصاد من كارثة بسبب التراجع الحاد للمواليد في العالم وارتفاع معدلات الشيخوخة بزيادة انتاجية العامل لتحافظ على معدل الانتاجية..
هذه الدراسة كان مركز دراستها هي الولايات المتحدة ولكنها لم تدرس بشكل واضح الاقتصاد الياباني وهنا احاجج اسيموجلوا بأنه هو في دراسة سابقة تحدث عن التباطؤ الشديد لنمو الانتاجية في اليابا حيث بلغت نحو 0.5% في اخر عامين مقابل تقريبا 3.5% سنوياً خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي..
في النهاية عنوان التقرير المترجم عن بلومبيرج في الموقع الاقتصادي العربي يظل مضللاً .. وفي النهاية يبدو الموضوع شديد التخصص والتعقيد ولكنها خلافات وصراعات تدور يوميا في حلقات نقاش حول الديموجرافيا والاقتصاد..
أحيانا اضطر للخروج عن خط التبسيط وفكرة نقل الديموجرافيا إلى النقاش اليومي البسيط للنقاش الأكثر عمقاً حول الانتاجية وتأثيرات منحنيات الشيخوخة ويبدو لي أن الوقت قد حان لدراسة المؤسسات الصحفية ما هي الديموجرافيا لانها كما قال أحد الخبراء الأميركيين إننا أمام حاضر وغد سيهيمن عليه نقاش الديموجرافيا ..
وليكن شعارنا "إنها الديموجرافيا يا غبي"





