بقلم : مدحت قلادة
«مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟»
(الإنجيل بحسب متى 16: 26)
لم يعرف التاريخ زمنًا امتلك فيه الإنسان وسائل للتواصل والتأثير كما يعرفه عصرنا. لقد أصبحت الكلمة تعبر القارات في ثوانٍ، والصورة تصل إلى ملايين البشر في لحظات، وصار العالم قريةً صغيرة لا تفصل بين أطرافها سوى ضغطة إصبع. وكان من المفترض أن تكون هذه النعمة وسيلةً لانتشار المعرفة، وترسيخ الحقيقة، وتعزيز كرامة الإنسان. لكن ما حدث في كثير من الأحيان كان العكس؛ إذ تحولت الوسيلة إلى غاية، وأصبح الإنسان، في سعيه المحموم وراء الشهرة، يفقد شيئًا فشيئًا ذاته، حتى بات يعيش من أجل أن يُرى، لا من أجل أن يكون.
إن المأساة الكبرى في عصرنا ليست وجود وسائل التواصل، ولا انتشار التكنولوجيا، ولا حتى سرعة انتقال الأخبار، فكل هذه منجزات يمكن أن تكون بركة إذا أحسن الإنسان استخدامها. إن المأساة الحقيقية تبدأ عندما يصبح “الترند” معيارًا للحقيقة، وعدد المشاهدات مقياسًا للقيمة، والتصفيق بديلًا عن الضمير.
لقد انقلب ميزان القيم في عالمنا بصورة تدعو إلى التأمل. فلم يعد السؤال: هل هذا حق؟ بل أصبح: هل سيحقق انتشارًا؟ ولم يعد الإنسان يسأل نفسه: هل يرضى الله عن هذا؟ بل: هل سيرضي الجمهور؟ وهنا يبدأ الانحدار الأخلاقي الذي لا يشعر به الإنسان إلا بعد أن يكون قد فقد جزءًا كبيرًا من إنسانيته.
إن أخطر أنواع العبودية ليست تلك التي تُقيَّد فيها الأيدي بالسلاسل، بل تلك التي تُستعبد فيها النفوس للأوهام. والإنسان الذي يربط قيمته بعدد متابعيه، أو يجعل كرامته مرهونة بإعجاب الآخرين، أو يقيس نجاحه بحجم انتشاره، لم يعد سيدًا لنفسه، بل أصبح عبدًا لرأي الجمهور. إنها عبودية حديثة، لا يُرى فيها القيد، لكنه يلتف حول العقل والضمير حتى يخنقهما.
وهكذا يبدأ الإنسان في تغيير ذاته. يتنازل عن كلمة حق لأنها لا تحصد الإعجابات، ويجامل الباطل لأنه يجذب الانتباه، ويختار الإثارة بدلًا من الحكمة، والصخب بدلًا من الفكر، والمشهد بدلًا من الرسالة. ومع كل تنازل صغير يخسر جزءًا من نفسه، حتى يصبح غريبًا عن صورته الحقيقية.
إن الشهرة في ذاتها ليست خطيئة، كما أن النجاح ليس رذيلة، بل هما قد يكونان نعمة إذا كانا ثمرةً لرسالة صادقة وعمل نافع. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الشهرة إلى غاية، ويصبح الإنسان مستعدًا لأن يبيع مبادئه في سبيلها. فكل قيمة تُطلب لذاتها تتحول إلى صنم، وكل صنم يطالب صاحبه بالمزيد من التنازلات حتى يستعبده بالكامل.
لقد تساءل الفلاسفة منذ آلاف السنين عن ماهية الإنسان. اختلفوا في تعريفه، لكنهم أجمعوا على أن الفضيلة هي التي تمنحه قيمته الحقيقية. فالإنسان ليس مجرد جسد يتحرك، ولا عقل يفكر، ولا كائن يسعى إلى اللذة، بل هو ضمير يميز بين الخير والشر، وإرادة حرة تختار الحق ولو كان ثمنه باهظًا.
وعندما يفقد الإنسان هذه القدرة، لا يعود سقوطه أخلاقيًا فقط، بل وجوديًا أيضًا؛ لأنه يفقد السبب الذي من أجله استحق أن يُدعى إنسانًا.
ومن المنظور الإيماني، تبدو القضية أكثر عمقًا. فالكتاب المقدس لا يحذرنا من عبادة الأصنام الحجرية وحدها، بل من كل ما يحتل المكان الذي ينبغي أن يكون لله في القلب. واليوم لم تعد الأصنام تُصنع من الذهب أو الحجر، بل قد تُصنع من الشهرة، أو النفوذ، أو المال، أو الأرقام التي تظهر على شاشات الهواتف.
إن الإنسان الذي يستيقظ كل صباح ليبحث عن إعجاب الناس أكثر من بحثه عن رضا الله، يكون قد دخل، ربما دون أن يدري، في عبودية روحية خطيرة. لأن القلب الذي امتلأ بحب المجد الباطل، لم يعد فيه متسع لصوت الضمير.
لقد قال السيد المسيح: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟». ولم يكن هذا السؤال موعظةً دينية فحسب، بل كان إعلانًا خالدًا عن فلسفة الحياة كلها. فما قيمة عالم يربحه الإنسان إذا فقد نفسه؟ وما قيمة شهرةٍ تُصفق لها الجماهير بينما يبكي عليها الضمير؟ وما قيمة نجاحٍ خارجي إذا كان ثمنه انهيار الإنسان من الداخل؟
إن التاريخ يقدم لنا درسًا لا يتغير. فالعظماء الذين خلدهم الزمن لم يكونوا أولئك الذين عرفوا كيف يجذبون الأنظار، بل أولئك الذين عرفوا كيف يحافظون على مبادئهم عندما كان ثمن المبادئ باهظًا. الأنبياء، والمصلحون، والحكماء، لم يطلبوا الشهرة، لكنها جاءت إليهم لأنهم طلبوا الحق أولًا.
أما الذين عاشوا للشهرة وحدها، فقد عاشوا أسرى للحظة، وماتوا بانتهاء التصفيق.
إن الأمم لا تنهار عندما يكثر الفقراء، ولا عندما تقل الموارد، بل عندما تصبح الأخلاق عبئًا، والصدق سذاجة، والوقار ضعفًا، ويصبح الكذب وسيلةً مشروعة للوصول، والإساءة طريقًا للشهرة، والتفاهة صناعةً مربحة. عندئذ لا تكون الأزمة أزمة أفراد، بل أزمة حضارة بأكملها.
ومن هنا فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على رفض هذا الواقع، بل على مقاومته بالفكر، وبالكلمة، وبالقدوة، وبإعادة الاعتبار للقيم التي صنعت الحضارة الإنسانية: الصدق، والعدل، والرحمة، والاحترام، والحرية المسؤولة.
لسنا في مواجهة مع التكنولوجيا، فهي هبة من العقل الذي وهبه الله للإنسان. ولسنا ضد وسائل التواصل، فهي أدوات يمكن أن تنشر النور كما يمكن أن تنشر الظلام. لكننا ضد أن تتحول الوسيلة إلى سيد، وأن يصبح الإنسان عبدًا لما صنعته يداه.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المؤثرين، بل إلى مزيد من أصحاب الضمائر. لا يحتاج إلى أصوات أعلى، بل إلى حكماء أكثر. لا يحتاج إلى محتوى يثير الغرائز، بل إلى فكر يوقظ الضمائر. لأن الحضارات لا تبنى بما يثير الانتباه، بل بما يوقظ الضمير، ولا يدوم المجد لمن صفق له الناس، بل لمن شهد له الحق.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق الإنسان كل يوم:
هل أبحث عن الحقيقة… أم عن التصفيق؟
هل أقود الرأي العام… أم أتبعه؟
هل أعيش لأرضي ضميري أمام الله… أم لأجمع إعجاب الناس؟
إن الترند يرحل، والشهرة تخبو، والجماهير تبحث كل يوم عن وجه جديد، أما الحق فلا يشيخ، والضمير لا يموت، والله لا ينسى عملًا صالحًا ولا كلمة حق قيلت في زمن كثرت فيه المساومات.
وسيأتي يوم تنطفئ فيه كل الأضواء، وتسقط كل الأقنعة، ويقف الإنسان أمام خالقه مجردًا من عدد متابعيه، ومن شهرته، ومن تصفيق العالم كله، ولن يبقى معه إلا الحقيقة التي عاش من أجلها، والخير الذي صنعه، والمحبة التي قدمها، والضمير الذي حافظ عليه.
«أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا.»
(رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 8:4)





