العيش والعيشة واللي عايشينها “٨”
بكارت أحمر لبطاقات التموين
حنان فكري
بيوت ظنت أنها أحكمت إغلاق ستائرها لتوارى ضيق الحال عن أعين الناس، والوجع الصامت مع كل صباح يتردد صداه بين جدرانها، وما زالت تتمسك بخيوط كرامتها، إنها الأسر المستورة، التى تعتبر دعم بطاقة التموين خاصة »رغيف العيش« هو صك الأمان الأخير. لكن الرسالة جاءت مباغتة بإيقاف الدعم، والوجه القاسى للقرارات الإدارية يطل علينا مرتديًا ثوب العدالة التوزيعية وترشيد النفقات، بعيون تنظر إلى الأرقام ولا تبصر الوجوه. وحسابات لا تدرك معادلات المستورين المعقدة، التى لا تظهر فى فواتير الكهرباء أو جداول الرواتب، معادلات تداخلت فيها أعباء العلاج، وديون التعليم، وأقساط المستلزمات الأساسية، والمبرر: تحديث قواعد البيانات لحذف غير المستحقين من منظومة الدعم، ذلك التحديث الذى يفتح بابًا واسعًا للجدل حول فلسفة الدعم فى حد ذاتها: هل الدعم حق أصيل، أم شبكة حماية للمعدمين ومحدودى الدخل، تتطلبها شروط الإصلاح الاقتصادى المنصوص عليها فى عقود البنك الدولى ؟ هل الدعم منحة، أم عقد اجتماعى بين الدولة والشعب.
فالدعم هو أحد الأركان الأساسية لـلعقد الاجتماعى. الذى فيه يقبل المواطن بالتزاماته الضريبية وتحمله لتبعات السياسات الاقتصادية الكلية مقابل أن تضمن له الدولة الحد الأدنى من الحياة الكريمة وحمايته من تقلبات السوق العنيفة. الدعم هنا أداة توازن وليس تفضلاً، هو تأمين تلتزم به الدولة لضمان استقرار السلم المجتمعى، وبالنظر إلى استبعاد الآلاف من منظومة الدعم التموينى، يبدو كما لو كان إعلانًا صريحًا بانتهاء مرحلة كانت فيها الدولة هى الظهير الذى يحمى تلك الأسر من الانزلاق إلى مستنقع الحاجة. فهل نبحث فعلاً عن غير المستحقين، أم أننا -دون قصد- ننزع الغطاء عن أجساد أرهقها غلاء المعيشة، تاركين إياهم فى عراء العوز؟
الأمر الذى يطرح تساؤلات مشروعة حول دقة مؤشرات الحذف وتنقية البيانات، التى تستند إليها وزارة التموين والتجارة الداخلية، ومحددات العدالة الاجتماعية التى تستبعد على أساسها الفئات غير المستحقة، فمثلاً الاعتماد على معيار »الراتب« كحد 9600 جنيه للأسر، قراءة قاصرة لواقع المعيشة، تفتقر إلى المرونة فى ظل موجات التضخم المتلاحقة التى أكلت القوة الشرائية للجنيه، فما كنا نعتبره دخلاً مرتفعًا قبل سنوات، بات اليوم بالكاد يغطى الاحتياجات الأساسية لأسرة متوسطة العدد، كما أن الاعتماد على مؤشرات جامدة (كفواتير الكهرباء أو الدخل الثابت) دون النظر إلى الالتزامات المعيشية الحقيقية (كالديون، تكاليف العلاج، أو عدد المعالين) مما يحول العدالة الاجتماعية إلى معادلة حسابية تؤدى فعليًا إلى خروج أسر من شبكة الأمان وهى فى أمس الحاجة إليها.
وبالرغم من أن الوزارة تؤكد، عبر تصريحات مسئوليها، أن هذه الإجراءات مجرد تحديث دورى للبيانات لضمان توجيه الدعم للأكثر احتياجًا، مع وجود فرصة للتظلمات، وإعادة المستحقين فور ثبوت صحة بياناتهم، إلا أنها رحلة طويلة لم تثبت نجاحًا فى المراحل السابقة من التنقية. فالمواطن الذى يتفاجأ بحذف بطاقته يجد نفسه أمام متاهة إدارية عنيفة تنتهى بالاستسلام والعجز. فأيهما أفدح أن يتم حذف مستحق واحد ظلمًا، أم أن يظل غير مستحق داخل المنظومة؟.
آلاف الأصوات التى أعلنت تضررها من قرارات الحذف، تضع الدولة أمام تحدى إيجاد معايير أكثر إنسانية تعكس التكلفة الحقيقية للمعيشة اليوم.، وتوجب اقتران العدالة التوزيعية وتنقية البيانات بـعدة أشياء أولها الشفافية المطلقة، ليعرف المواطن بالضبط لماذا حذف، وبطريقة واضحة بعيدة عن لغة الأرقام المعقدة. وثانيها أن تكون التظلمات منصفة، ويتم إيجاد آلية تظلم سريعة وفعالة لا تتطلب رحلات عذاب بين مكاتب التموين. ثالثها أن تحديث البيانات لا يمكن أن يكون معيارًا كافيًا لحذف المواطن من الدعم، فقد تكون البيانات قديمة، أو الظروف تغيرت للأسوأ.
يا سادة: الفقر حالة متحركة وليست ثابتة. والتوجه نحو الدعم النقدى المشروط ضرورة، لكن لا بد أن يتم ذلك بالرفق الذى تقتضيه الظروف الاقتصادية الحالية. فالحذف عملية جراحية ضرورية أحيانًا لإنقاذ الجسد المالى للدولة، لكنها إن لم تتم بمشرط دقيق يراعى أصحاب الدخول المحدودة الذين بات التموين بالنسبة لهم سترًا لا غنى عنه، قد تكون عواقبها وخيمة، فى ظل ضغط اقتصادى مستمر منذ سنوات على الفئات الهشة والطبقة المتوسطة التى لا تملك حتى »المعافرة« مع تعقيدات البيروقراطية ودهاليز الأرقام.
نقلا عن وطنى





