أحمد الخميسي
تثير شفقتي وعطفي الشديد دموع البنات الواقفات عند أسوار المدارس بعد امتحانات الثانوية العامة وهن يبكين ويلطمن خدودهن بسبب صعوبة الامتحانات خاصة الكيمياء التي شكى منها الجميع وقالوا إن الأسئلة تفوق مستوى أي طالب. الصور تظهرن منهارات وقد تجمعت حولهن الأمهات في يأس وألم من ضياع مجهود عام كامل محسوب على عمر الابنة ومستقبلها. لا تملك سوى الشعور بالأسى والرغبة في مد يد العون.
وقد بلغ الأمر بهذا الصدد حد انتحار بعض الطلاب كما فعلت في محافظة أسيوط الطالبة " علياء. م. أ" شعبة علوم التي قامت بانهاء حياتها بالقفز من الطابق السادس إلى الشارع عقب عودتها منهارة الى المنزل بسبب امتحان الكيمياء. بل وأدى الخوف والذعر من الامتحانات الى عدد من حالات الانتحار فقد توفيت الطالبة ملك العطار في طنطا قبل الامتحانات بأيام، وفتاة أخرى توفيت داخل لجنة الامتحانات في الشرقية. ولعل السبب الرئيسي في كل ذلك أن التعليم عندنا يرتكز على مبدأ الحفظ والتلقين والتكرار وليس الفهم والتأمل والتفكير، فنحن لا نخلق بهذا النوع من التعليم مواطنا قادرا على الارتقاء بوعيه ووجدانه نحو الشعور بهويته وباتصاله بالعالم وقدرته على أن يكون جزءا مبدعا من العالم الواسع.
مازال التعليم قائما على الحفظ والتلقين وأقصى ما يطمح إليه خلق كوادر من الموظفين، وهو المبدأ الذي اعتمده محمد على باشا حين فتح أبواب التعلم، ولم يكن هدفه سوى تجهيز عدد محدود من المتعلمين لخدمة الجيش واحتياجاته والعمل بالمصالح الحكومية، ومن ثم لم تزد نسبة من يتقنون القراءة والكتابة في نهاية حكم محمد على الذي امتد أربعين عاما سوى حوالى 6% من السكان بينما ظل 94% يعانون من ظلام الأمية. وفى عام 1930 شغلت مصر المرتبة الأولى على مستوى العالم في عدد الأميين من السكان الذين بلغت نسبتهم 88%. وظل الوضع كما هو عليه حتى عام 1950 حين أصدر طه حسين بصفته وزير المعارف قرارا بتطبيق مجانية التعليم الابتدائي والثانوي لكن القرار ظل محدود الأثر بسبب نقص المخصصات اللازمة، هذا إلى أن قامت ثورة 23 يوليو 1952، وأخذت مصر شيئا فشيئا تقضي على الأمية بمعناها المباشر، ولم يبق لنا الآن الا أن نصحح مفهوم التعليم ونقفز به إلى الجانب الانساني والعلمي الحقيقي الذي لا يعتمد على الحفظ والتكرار.
جدير بالذكر أن انتحار الطلاب ليس ظاهرة قاصرة على مصر، وفي ذلك السياق ترتفع نسبة انتحار الطلاب في كوريا إلى 12% وفي إيران الي 5%، أما في بنجلاديش فقد اظهرت احدى الدراسات ان 25% من الطلاب يحاولون الانتحار قبل موعد الامتحانات، أما الهند فإنها تسجل آلاف من حالات الانتحار سنوياً ! أعتقد أنه لابد لنا من وقفة واضحة مع مفهوم التعليم وطرقه وأدواته والدور المنوط بالامتحانات، لأن آخر ما ننشده من الامتحان هو دموع البنات والشكوى الصارخة من أن الأسئلة فوق مستوى أي طالب. نحن ننشد تعليما يخلق ويؤسس للوجدان القومي والانساني العام، بعيدا عن منهج الحفظ والتلقين والتكرار.
***
نقلا عن الدستور





