بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أقسام الرسالة..
أولاً: التحية الافتتاحية..ثانياً: تحذير للمحافظة على الإيمان المستقيم..ثالثاً: أمثلة عن المنحرفين:

انحراف الشعب اليهُودي، سقُوط الملائكة، حرق سدُوم وعمُورة..

رابعاً: صفات المعلمين الكذبة..خامساً: نبُوات عنهُم: أخنُوخ، الرسل..سادساً: أسس الحياة الرُوحية..

سابعاً: ختام الرسالة..

يهُوذا، عبد يسُوع المسيح، وأخُو يعقُوب (1)..  

يفتخر أنه عبد يسُوع المسيح، متناسياً نسبه للرّب حسب الجسد، لأن عذُوبة التعبد لله تُعطينا حلاوة وفرحاً حتى أنه يدعُونا أحباء وأبناء وعرُوساً له، أما نحنُ ففي حُب نجيبه: لسنا مستأهلين أن نكُون عبيداً لك..

إلى المدعُوين المُقدّسين في الله الآب، والمحفُوظين ليسُوع المسيح (1)..

يُوجه رسالته إلى المُؤمنين عامة، المدعُوين أي ليس لهُم فضل، لأن الله أحبنا أولاً ودعانا (1يو19:4)، وفي دعُوته لا يُحابي، إنما يقبل الإنسان الدعُوة أو يرفضها، وفي قبُوله لها رغم جهاده وتعبه، يُحسب الفضل في ذلك لله وليس منا، راجع الكتاب (رو8:5).. 

المُقدّسين، فإذ نقبل الدعُوة ونُؤمن به، يلزمنا أن نُسلّم حياتنا للرُوح القُدس الذي يُقدسنا لله الآب كأبناء له فنصير على شبه أبينا القُدوس..
المحفظُون ليسُوع المسيح، أي يحفظنا الرُوح القُدس ويُهيئنا كعرُوس عفيفة تليق بعريسها الرّب يسُوع، وكعرش مُقدس لله القُدوس..

كما يقُول القديس مقاريُوس الكبير: في العالم إذا ذهب ملك ليقيم زماناً في المدينة، واتفق أنه نزل بيتاً فيه نجاسة ما، فإنه يُنظم ويُزين بزينات متنُوعة ويُبخر برُوائح عطرة، فكم بالحري يحتاج بيت النفس الذي يأتي الله ليستريح فيه إلى زينات كثيرة، لكي يدخله ويُقيم فيه، ذاك الذي هُو نفسه نقي من كُل دنس وبلا عيب، هكذا هُو القلب إذ يحل الله، وكُل الكنيسة السماوية المُنتصرة..

إذاً يجب على كُل منا أن يجتهد بإخلاص، ولا يُقصر في الفضيلة، وأن يُؤمن ويطلبها من الرّب لكي يصير الإنسان الباطن منه شريكاً في المجد في هذه الحياة الحاضرة، وتكُون للنفس شركة في قداسة الرُوح (1يو3:1)، حتى إذا تطهرنا من دنس الخطية يكُون لنا في القيامة ما نستر به عري أجسادنا عند قيامها، ونُغطي عيُوبنا فيُريحنا في ملكُوت السماوات..

لتكثر لكُم الرحمة والسّلام والمحّبة (2)..
هذه هي طلبة الرسل لشعبهُم، يطلبُون لهُم مراحم الله التي لا تُحد، وسلام الله الذي يفوق كُل عقل، والمحّبة التي مصدرها الله..
ولا تكف الكنيسة في بداية كُل صلاة عن أن تطلب على لسان الكاهن:

السلام لجميعكُم، والرعية والشعب يقُول: ولرُوحك أيضاً.. 
أننا لا نطلب من أجل سلام خارجي، إنما سلام الرُوح الذي يقُوم على اغتصابها رحمة الله ونعمته، وتمتعها بالشركة معه وغفران الخطايا، وهكذا لا نكف عن الجهاد من أجل هذه الطلبة من أجل أنفسنا وأخُوتنا..

أيها الأحباء، إذ كُنت أصنع كُل الجهد لأكتُب إليكُم عن الخلاص المُشترك (3)..
كان الرسُول يبذل كُل الجهد ليكُتب عن الخلاص، لأنه مَن يقدر أن يكتب أو يعبر عنه؟! فالحديث عن الخلاص هُو: حديث عن الحب الإلهي غير المنطُوق به، هُو إيماننا بالله الذي يتسلمه من جيل إلى جيل..

فالمسيحية بالحق ليست كتباً تُقرأ، أو مباديء تُحفظ، بل هي حياة مع رّبنا وتذُوق لحلاوة العشرة معه، كما قال الشيخ الرُوحاني..
لقد تلمذ رّبنا يسُوع تلاميذه على يديه، عاش في وسطهُم وعاشُوا معه التفُوا حوله وسارُوا معه أينما ذهب، وهكذا طلب من تلاميذه قائلاً:
اذهبُوا وتلمذُوا جميع الأمم (مت19:28)، فيتتلمذ كُل جيل على يدي آبائه لرّبنا يسُوع المسيح، وإذ ضعفت رُوح التلمذة في جيلنا، لهذا فترت الرُوحانية، وتحولت العبادة إلى مجرد وعظ وتأليف كتب.. 

المسيحية ليست مُجرد عظات وصلُوات، بل هي أحشاء ورأفة وحنان، تفرح في سكب العطف على القلُوب المُتضايقة، المغمُومة الحزينة، وتستر كثرةً من الخطايا (1بط8:4؛ 1يو16:4)..

لأكُتب إليكُم عن الخلاص المُشترك، أي الذي تشترك فيه كُل أمة ولسان وقبيلة، لأن الله ليس عنده محاباة (يع1:2)..
اضطُررت أن أكتُب إليكُم واعظاً أن تجتهدُوا لأجل الإيمان المُسلّم مرّة للقدّيسين..

كان يتُوق إلى الحديث عن الخلاص والصليب، ومحّبة الله والشركة معه، هذه الأمُور المُبهجة لكن إذ رأى أن بعض المعلمين يعلمُون بغير ما استلمت الكنيسة، لذلك غيّر حديثه عن اضطرار مُطالباً إياهُم أن يجتهدُوا لأجل الإيمان المُسلّم للقدّيسين، فحيثُ تُوجد البدع والهرطقات التي يبثها الغرباء وهُم يدعُون أنهُم مسيحيُون، يليق بالراعي أن ييقظ أولاده، ويحذرهُم حتى لا ينحرفُوا عن الإيمان المستقيم..
خطُورة هُؤلاء المعلمين أنهُم يدخلُون خلسة: لأنه دخل خلسة أناسٌ قد كتبُوا منذ القديم لهذه الدينُونة، أي أنهم مُخادعُون..
يدخلُون خلسة، أي دخلاء مُختلسُون يظهرُون غير ما يبطنُون، لهُم مظهر التقوى والغيرة في الخدمة، لكنهُم يُحرفُون تفسير الكتب..
هُؤلاء فُجّار، وذلك لسببين:

أولاً: يُحّولُون نعمة إلهنا إلى الدعارة.. 
فجار أي خالُون من مخافة الله، إذ يستغلُون نعمة إلهنا ومحبته كفرصة لتحقيق نزواتهُم، متطلعين إلى دم السيد المسيح ليس كفرصة للجهاد والتحلي بالفضائل التي نقتنيها من يديه، بل فرصة للتراخي والانجراف في تيار الشهوات، ظانين أن مجرد الإيمان بغير جهاد يكفيهُم..

ثانياً: يُنكرُون السيد الوحيد: الله ورّبنا يسُوع المسيح..
هذا الإنكار يأخذ أحد صُورتين أو كليهما، أما إنكار وجُود الله أو لاهوت رّبنا يسُوع، أو إنكار لعملهما، وذلك بالاندفاع في تيار الخطية، وعدم التسليم والجهاد حسب إرادة الرّب يسُوع المسيح..

هناك أمثلة لانتقام الله من الفجار:
أولاً: هلاك اليهُود بسبب عدم إيمانهُم..
فأريد أن أذكركُم، ولو علمتُم هذا مرةً، أن الرّب بعدما خلّص الشعب من أرض مصر، أهلك أيضاً الذين لم يُؤمنُوا، فما يذكره الرسُول هُنا إنما هُو مثال مما حدث في العهد القديم، والتاريخ يُعيد نفسه، فالشعب الذي أنقذه من أرض مصر أرتد عن الإيمان، وعبدُوا العجل الذهبي في البرية، وتركُوا عبادة الله الحقيقي، فنجاتهُم مرة لا يعفيهُم من الهلاك..

هذا ما حدث لهُم، فماذا يكُون موقفنا إن أهملنا خلاص الله…..كيف ننجُو نحنُ إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره؟! (عب3:2)..
ثانياً: هلاك الملائكة الساقطين..
والملائكة الذين لم يحفظُوا رياستهُم، بل تركُوا مسكنهُم حفظهُم إلى دينُونة اليوم العظيم بقيُود أبديةٍ تحت الظلام، فإن كان الله لم يشفق على ملائكة أخطأوا، بل في سلاسل الظلام طرحهُم (2بط4:2)..

كان إبليس وجنوده قبل سقُوطهُم من أكبر الطغمات السمائية، فإذ لم يحفظ رئاسته بحبه للرئاسة ترك مسكنه، ترك السماء التي لا يسكنها إلاّ المتواضعُون، وحفظُوا بقيُود أبدية تحت الظلام ..

هكذا كما أن الرُوح القُدس يحفظ المُؤمنين ليسُوع المسيح، هكذاً أيضاً حُفظ الملائكة الأشرار للظلمة الأبدية برباط أبدي..

ثالثاً: حرق سدُوم وعمُورة..
كما أن سدُوم وعمُورة والمُدن التي حولهُما، إذ زنت على طريقٍ مثلها ومضت وراء جسدٍ آخر، جُعلت عبرةً مُكابدةً عقاب نارٍ أبديةٍ..
صارت سدُوم وعمُورة عبرة أمام الأشرار حتى يتُوبُوا..

لقد زنى الشعب جماعياً، وذلك برفضه طريق الرّب وعصيانه واختيار إله غيره، والرّب يعتبر هذا زنا رُوحياً، مضت مملكة إسرائيل وراء رجل أخر، أو عريس آخر غير عريسها، أو إلهاً آخر غير إلهها، وكُل ما نضعه في قلُوبنا (ممتلكات أو شهوات أو أشخاص)، ليحل مكان الرّب في عرشه يصير سيداً لنا، ويُحسب زنا رُوحي وخيانة لإلهنا..

يقُول القديس أغسطينُوس: يُفهم من الزنا جميع الشهوات الجسدية فالكتاب يتحدث عن عبادة الأوثان كزنا، ويدعُو الرسُول بُولس الطمع عبادة أوثان وبالتالي يكُون زنا، إذن كُل شهوة شرّيرة تُدعى بحق زناً، لأن الرُوح تفسد بتركها الشريعة السامية التي تحكمها وتبيع شرفها بشهوة دنيئة لا تتناسب مع سمُو الرُوح التي هي نسمة الله القدير فينا..