خالد حريب
لا تظلموا المختلين.. فالرجل الذي شاهدتموه لم يكن يهذي، بل كان يردد أفكارًا حفظها عن ظهر قلب، أسهل كذبة يمكن أن نختبئ وراءها هي أن نصف الرجل العجوز الذي اقتحم محل تصوير المستندات، وراح يسب صاحبه المسيحي ويتهمه بالكفر، بأنه "مختل" هكذا ننتهي من القضية في جملة واحدة، ونغلق الملف، ونعود إلى بيوتنا مطمئنين وكأن شيئًا لم يكن.
لكن الحقيقة ليست كذلك، الرجل لم يكن يهذي، ولم يكن يتكلم بكلمات غير مفهومة، ولم يخلط الأسماء أو الأزمنة، بل كان يعرف جيدًا ما يقول، ويقصد كل كلمة نطق بها، كان يتحدث بثقة من اعتاد سماع هذا الكلام، ومن تشبع به، ومن صدق أنه يملك حق محاكمة الناس على عقائدهم.
الأخطر من كل ما قاله، أنه قاله وهو مطمئن.
بل إنه لم يكتف بتكفير الرجل، وإنما أطلق جملة شديدة الدلالة حين قال في استخفاف "هات لي أمن الدولة". لم يكن يتحدى صاحب المحل وحده، بل كان يتحدث وكأنه فوق الدولة نفسها، أو على الأقل لا يخشاها، وهنا تتوقف القضية عن أن تكون مشاجرة داخل محل صغير.. إنها قضية مجتمع، هذا المسن ليس حالة فردية، بل هو آخر طبعة من كتاب قديم، بدأ تأليفه منذ أكثر من نصف قرن، عندما تساهلت الدولة مع خطاب خلط الدين بالسياسة، وفتحت الأبواب أمام جماعات قدمت نفسها باعتبارها حارسة للإيمان، بينما كانت في الحقيقة تؤسس لفكرة أخطر بكثير وهي فكرة احتكار الدين واحتكار الحقيقة.
ومن يحتكر الحقيقة لا يعترف بالمواطنة، ومن يحتكر الجنة لا يحترم الأرض، لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض المنابر، عبر سنوات طويلة، إلى مصانع تنتج أجيالًا تؤمن بأن المختلف عنها ليس مواطنًا كامل الحقوق، وإنما مشروع متهم، يحتاج إلى من يراقبه، أو يعظه، أو يحاكمه، وربما يكفره.
كل جماعة سياسية ترفع راية الدين، مهما اختلف اسمها أو شعاراتها، تفتح الباب لهذا المنطق؛ لأن السياسة تقوم على الاختلاف، أما الدين فلا يجوز أن يتحول إلى أداة لتكفير الناس، وعندما يمتزج المجالان، يدفع المجتمع الثمن، وقد دفعته مصر بالفعل، سنوات من الدم، وعمليات إرهابية، واغتيالات، وتفجيرات، واستهداف للمساجد والكنائس، وسقوط مئات الشهداء من الجيش والشرطة والمدنيين.
ولم يبدأ الإرهاب بقنبلة، بل بدأ بفكرة، هكذا تعلمنا من استاذنا الرائد المفكر الدكتور رفعت السعيد الذي بح صوته وهو ينادي بأن الإرهاب يبدأ فكرًا، ولكن لم يجد من يستمع، الإرهاب بدأ بكلمة، بدأ بشخص أقنع نفسه أن الله اختاره ليحاسب الناس بدلًا من أن يحاسب نفسه، ولهذا فإن كل كلمة تكفير هي طلقة مؤجلة، وكل تحريض على كراهية الآخر هو مشروع جريمة ينتظر ظروفه.
المؤلم أن صاحب الفيديو لم يكن يشعر أنه يرتكب فعلًا مشينًا، بل كان يتحدث وكأنه يؤدي واجبًا دينيًا، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن التطرف يبلغ ذروته عندما يتحول في نظر صاحبه إلى فضيلة، لهذا فإن التعامل مع الواقعة لا يجوز أن يقتصر على تداول الفيديوهات وإطلاق النكات والتعليقات الساخرة.
المطلوب أولًا أن تعلن وزارة الداخلية للرأي العام كيف انتهت الواقعة، وما هي الإجراءات القانونية التي اتخذت بحق الرجل، ليس انتقامًا منه، وإنما احترامًا للقانون، ورسالة لكل من يتصور أن تكفير المواطنين أو إهانتهم بسبب عقائدهم يدخل في باب حرية الرأي، فحرية الرأي لا تشمل التحريض ولا الإهانة ولا ازدراء الناس.
والمطلوب أيضًا أن يخرج الأزهر الشريف بموقف واضح ومتجدد يذكر الناس بأن الإسلام لم يمنح أحدًا حق توزيع صكوك الإيمان والكفر، وأن احترام الإنسان جزء من احترام الدين نفسه، وأن الاختلاف في العقيدة لا يسقط الكرامة الإنسانية ولا المواطنة.
لكننا، قبل كل ذلك، نحتاج إلى مراجعة أنفسنا، كم مرة سمعنا مثل هذا الخطاب وسكتنا؟ كم مرة اعتبرناه مجرد "تشدد بسيط"؟ كم مرة قلنا: "دعوه.. إنه رجل كبير"؟ كل تنازل صغير أمام التعصب ينتهي بكارثة كبيرة.
مصر لا تحتاج اليوم إلى معركة جديدة مع الإرهاب، لكنها تحتاج إلى استكمال معركتها مع الفكر الذي أنجبه، المعركة الحقيقية ليست في الجبال ولا في الصحارى،إنها في العقول، في المدرسة وفي الجامعة وفي المسجد وفي الكنيسة
وفي الإعلام وفي البيت، وفي كل مكان يتشكل فيه ضمير الإنسان.
لن يحمي مصر أن نصف هذا الرجل بالمختل، بل يحميها أن نعترف بأنه نتاج سنوات من التساهل مع خطاب الكراهية، ثم نقرر، بصدق، ألا نسمح بإنتاج نسخة جديدة منه، فالدول لا تهزم الإرهاب فقط عندما تقبض على الإرهابي، إنها تهزمه حقًا عندما تمنع ولادة الإرهابي التالي.
نقلا عن البوابة نيوز





