(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
بعد "العمل الانشقاقيّ" و"تمزيق ثوب المسيح غير المخيّط"، على حدِّ تعبير البابا لاوُن الرابع عشر، من خلال سيامة أربعة أساقفة جُدد (1 من يوليو/تموز 2026)، من دون موافقة البابا وضدّ إرادته، قد وَقعتْ "جماعة القدّيس بيوس العاشر الكهنوتيّة" (FSSPX) تحت "عقوبةِ الحرم الكبير" (حَسَبَ تقليدنا الشرقيّ). ومن ثمّ، قد وَقعتْ هكذا تحت طائلة هذا الحرم بارتكابهم جريمة الانشقاق الكنسيّ، وعواقبها المتعلّقة بالجماعة وإكليروسها ومؤمنيها. ووفقًا للقانون الكنسيّ الخاصّ بالكنيسة اللاتينيّة (قانونان 1387 و1364)، وهو ما يتوافق مع قوانين الكنائس الشرقيّة أيضًا (قانونان 1437 و1459)، يُعَدُّ هذا انشقاقًا "بواسطة الفعل ذاته".
وهذان هما قانونا "مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة":
+ ق. 1437- مَن ازدرى الخضوع لسلطة الكنيسة العليا، أو الشّركة مع المؤمنين الخاضعين لها، وأُنذِر على وجه شرعيّ ولم يؤدِّ الطّاعة، يُعاقب بالحرم الكبير كمُنشَقّ.
+ ق. 1459- البند 1 - الأساقفة الذين مَنحوا الرسامة الأسقفية بدون انتداب من السلطة المختصّة، ومَن قبِل الرسامة منهم بهذه الطريقة، يُعاقبون بالحرم الكبير.
وانطلاقًا من هذا كلّه، ينبغي فَهْمُ أنّه لا ثمّة كنيسةٌ مغايرة أو موازية ("الكنيسة الأبديّة") بجوار الكنيسة المؤسْساتيّة المنظورة (بخلافتها الرسوليّة وتسلسلها الهرميّ التاريخيّ)؛ فلا توجد كنيستان موازيتان بأيّ حالٍ من الأحوال. وإنّما وُجدتْ وتوجد وستوجد كنيسةٌ واحدة للربّ يسوع المسيح، عروسه الوحيدة الدائمة وجسده الواحد، وشعب أبيه، وهيكل روحه القدوس. ونؤمن بعلاماتها الأربعة: "واحدة، مقدَّسة جامعة، رسوليّة"، كما نعلن في "قانون الإيمان". فإنّ طبيعة الكنيسة الحقيقيّة "تمتاز بكونها إنسانيّةً وإلهيّةً معًا، منظورةً وحافلةً بحقائق غير منظورة، حارّةً في العمل ومسترسلةً إلى التأمل، حاضرة في العالم مع أنّها عنه نازحة"، كما أكّد المجمعُ المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني. وعلى هذا النحو، فإنّ الكنيسةُ لها، إذًا، بُعدان متناغمان وغير منفصلين في آنٍ واحد على مستويات عدّة: أبديّةٌ وزمنيّة، إلهيّةٌ وبشريّة، غيرُ منظورة ومنظورة، سمائيّةٌ وأرضيّة، تاريخيّةٌ-دائمة ومجمعيّة (نسبةً للمجمع الفاتيكانيّ الثاني)، مؤسّساتيّةٌ وكاريزمتيّة، روحيّةٌ ومادّيّة.
ومن جهةٍ أخرى، ينبغي تذكّر أنّه شتّان ما بين "التّقليد الحيّ" و"النّزعة التّقليديّة". فكما أوضح جيّدًا البابا فرنسيس، في عظته بـ"ملعب الكومنولث" في كندا (26 يوليو/تموز 2022):
«إلى جانب كوننا أبناء تاريخ يجب أن نحافظ عليه، نحن صنّاعُ تاريخ يجب بناؤه [...] الذين سبقونا نقلوا إلينا حبًّا وقوّة وتوقًا ونارًا علينا إحياؤها. ليست مهمتنا المحافظة على الرّماد، بل علينا إحياء النار التي أشعلوها. كان أجدادنا وكبارنا يرغبون في رؤية عالم أكثر عدلًا وأكثر أخوّة وأكثر تضامنًا، وقد كافحوا من أجل أن يعطونا مستقبَلًا. الآن، علينا ألّا نخيِّب آمالهم. وعلينا أن نتولى مسؤوليّة هذا التقليد الذي قبلناه منهم، لأنّ التقليد هو إيمان أمواتنا الحيّ. من فضلكم، لا تحَولوه إلى تقليد جاف، أي إلى إيمان الأحياء الميّت، كما قال أحد المفكّرين. آباؤنا هم جذورنا وسندنا، وعلينا الآن أن نؤتي ثمرًا. نحن الفروع التي يجب أن تُزهر وأن تضع بذورًا جديدة في التاريخ».





