محرر الأقباط متحدون
كتب مدير التحرير في دائرة التواصل الفاتيكانية أندريا تورنيلي مقالا هذا الخميس سلط فيه الضوء على أخوية بيوس العاشر، أو ما يُعرف باللوففريين، أوضح فيه أن هذا الملف عاد إلى الواجهة من جديد بعد إعلان الفاتيكان أن السيامات الأسقفية التي جرت في الأول من تموز يوليو الجاري تمثل "عملاً ذا طبيعة انشقاقية"، ما أعاد إلى الأذهان عقوداً طويلة من التوتر بين هذه الجماعة والكرسي الرسولي.
أكد تورنييلي أن القصة ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى أكثر من نصف قرن. فمنذ تأسيس الأخوية على يد رئيس الأساقفة الفرنسي مارسيل لوفيفر عام ١٩٧٠، بدأت الخلافات تظهر بوضوح حول بعض إصلاحات المجمع الفاتيكاني الثاني، خاصة فيما يتعلق بالليتورجيا والحرية الدينية. في البداية كانت هناك محاولات حوار متعددة، لكن شيئاً فشيئاً تحولت الخلافات إلى مواجهة مفتوحة.
أضاف المسؤول الفاتيكاني أن لوفيفر، الذي كان قد وقّع على وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، عاد لاحقاً ليعتبر بعض الإصلاحات "انحرافاً عن التقليد"، ورفض اعتماد القداس وفق الصيغة الجديدة. ومع تصاعد التوتر، تدخل البابا بولس السادس شخصياً، وأرسل رسائل ومندوبين في محاولة لإقناعه بالعودة إلى الطاعة الكنسية، لكن كل تلك الجهود لم تؤدِّ إلى نتيجة.
في العام ١٩٧٦ تم تعليق صلاحيات لوفيفر الكهنوتية، إلا أنه استمر في نشاطه، ما عمّق الهوة بينه وبين روما. ومع انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني، بدا في البداية أن فرصة جديدة للمصالحة قد تلوح في الأفق. وفي العام ١٩٨٨ دخل الكاردينال جوزيف راتزينغر، الذي أصبح لاحقاً البابا بندكتس السادس عشر، في مفاوضات مباشرة مع لوفيفر. وتم التوصل إلى اتفاق عقائدي بدا وكأنه يمهّد الطريق لإنهاء الأزمة، وتضمّن اعترافاً بشرعية البابا وبصلاحية القداس بعد المجمع، إضافة إلى ترتيبات قانونية تضمن للأخوية استقلالاً معيناً داخل الكنيسة.
بيد أن المفاجأة لم تتأخر إذ تراجع لوفيفر عن الاتفاق، وأعلن عزمه على سيامة أساقفة جدد من دون موافقة البابا. ورغم النداءات الأخيرة من يوحنا بولس الثاني، مضى في قراره، وفي الثلاثين من حزيران من العام نفسه قام بسيامة أربعة أساقفة، ما أدى إلى صدور قرار الحرم الكنسي بحقه وبحق من رسمهم. ومع ذلك لم تنقطع محاولات التقارب. ففي العام ٢٠٠٠، زار أعضاء الأخوية روما في إطار الحج اليوبيلي، ما فتح باباً جديداً للحوار. ثم جاء البابا بندكتس السادس عشر بخطوتين مهمتين: الأولى تحرير استخدام القداس القديم عام ٢٠٠٧، ومن ثم رفع الحرم عن الأساقفة الأربعة عام ٢٠٠٩، في خطوة هدفت إلى إعادة بناء الجسور.
وأضاف تورنييلي أنه على الرغم من كل تلك الخطوات بقيت المصالحة الكاملة بعيدة. فالعقبات العقائدية ظلت قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بتفسير بعض نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني. وفي حبرية البابا فرنسيس، استمر الانفتاح من زاوية رعوية، إذ منح البابا برغوليو كهنة الأخوية صلاحية سماع الاعترافات بشكل صحيح خلال يوبيل الرحمة، ثم ثبّت هذه الصلاحية لاحقاً، في محاولة لاحتضان المؤمنين المرتبطين بهذه الجماعة. غير أن الأزمة تجددت هذا العام عندما أعلنت الأخوية نيتها سيامة أساقفة جدد. فقام الفاتيكان بعقد لقاءات مباشرة مع قادتها، مقترحاً مساراً حوارياً لبحث النقاط العقائدية العالقة. كما وجّه البابا لاون الرابع عشر نداءً أخيراً حذر فيه من تمزيق وحدة الكنيسة. لكن الجماعة مضت في قرارها، ونفذت السيامات كما كان مقرراً.
ولفت تورنيلي إلى أن الفاتيكان لا يرى في هذه الخطوة مجرد مخالفة إدارية، بل يعتبرها فعلاً انشقاقياً له تبعات خطيرة. فبحسب التوضيح الصادر عن دائرة عقيدة الإيمان، فإن كهنة الأخوية يمارسون الأسرار بشكل غير مشروع، وبعضها، مثل سر التوبة والزواج، يُعتبر باطلاً في ظروف معينة. هكذا، وبعد عقود من الأبواب المفتوحة والفرص المتكررة للمصالحة، تجد الكنيسة الكاثوليكية نفسها أمام جرح قديم يتجدد. وبين تشبث الأخوية برؤيتها التقليدية، وإصرار كنيسة روما على وحدة الإيمان والطاعة للحبر الأعظم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن رأب هذا الصدع يوما ما؟ أم أن الانقسام أصبح واقعاً دائماً؟




