بقلم/ القمص رويس عبدالله، كاهن كنيسه ابى سيفين الأثرية مصر القديمه 
 ولد هذا القديس في مدينة الشهداء، إسنا، قرية العضيامة، وكان ذلك في عيد الميلاد المجيد 29 كيهك 1576 ش -7 يناير 1860 م وسُمي باسم حنا.
 
 تأثر الشاب حنا كثيرًا بقصة الراهب يوحنا الذي من روما صاحب الإنجيل الذهب الذي ترك مملكة أبيه وتبع قول الكتاب: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي" وقوله أيضًا "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟"
 
وقال هو عن نفسه: " أصبت بمرض شديد، ونذرت على نفسي إذا قمت صحيحًا من هذا المرض أذهب إلى الرهبنة، وفعلًا شفاني السيد المسيح وفى الحال تركت بيت أبي طالبًا خلاص نفسي.
 
كان قد بلغ الشاب حنا سن السابعة عشرة من عمره فذهب إلى دير السريان العامر ببرية شهيت وتمت سيامته راهبًا باسم يوحنا الإسناوي السرياني في سنة 1877.
 
ثم نال نعمة القسيسية في سبت الفرح سنة 1886م بيد الأنبا بطرس أسقف منفلوط، ثم رقي لرتبة القمصية في سنة 1980، وعُين رئيسًا للدير بعد نياحة القمص تاوضروس. وقد سار القمص يوحنا الإسناوي سيرة رهبانية حسنة وخدم إخوته الرهبان وكيلًا وأمينًا للدير فأحبه الجميع لاتضاعه وحسن تدبيره.
 
كما عمل على تعمير الدير، فقام ببناء قلالي جديدة للرهبان، وقصر للضيافة، كما اشترى عدة منازل بشارع كلوت بك وجدد عزبة الدير بقرية أتريس بالجيزة، واشترى عشرة أفدنة وجعلها وقفًا للدير، مما جعل إيرادات دير السريان في عصره تصل إلى 120 جنيهًا، وهو مبلغ كبير في ذلك العصر.
 
لم تكن سيامته أسقفًا بتزكية من الشعب أو بتخطيط مسبق من المسؤولين بل كانت من وحي إلهي يخطط ويرشد، وحدث أن البابا كيرلس الخامس رشح القمص عبد المسيح الأنبا بيشوي لسيامته أسقفًا لأسيوط، والقمص مرقس الأنبا بولا أسقفًا للخرطوم، وحدد السيامة يوم الأحد 12يوليو1897 م، إلا أن القمص مرقس اعتذر عن السيامة في صباح يوم السيامة بتأثير من أخيه القمص بطرس وكيل دير السريان، فأرسل البابا تلميذه ليأتي إليه بواحد من الرهبان المقيمين في المرافق الدائرية بالقاهرة، فذهب تلميذ البابا إلى العزباوية فوجد القمص يوحنا الإسناوي رئيس الدير فدعاه لمقابلة البابا، فلما مثل بين يديه عرض عليه السيامة الأسقفية فقبل شاكرًا، فتمت السيامة فاليوم التالي 12 يوليو مع أسقف أسيوط.
 
نظرًا لرواسب الثورة المهدية لم يتمكن الأنبا صرابامون من الذهاب إلى السودان مباشرة لكنه سافر إليها بعد سنة من سيامته، ووصل إلى أم درمان ومنها إلى حي المسالمة مجمع المسيحيين فُفتحت له القلوب قبل الأبواب واستبشر الجميع خيرًا بقدومه. وهناك علم بكل الاضطهادات التي لقاها المسيحيون إبان الثورة المهدية وما يترتب عليها من تغيير في الملابس والأسماء، والعرس الجماعي لـ 60 شابًّا وشابة مسيحية في يوم واحد حفاظًا على الفتيات عندما أمر الخليفة المهدي بأن يتزوج كل شباب المسيحين زواجًا غير مسيحي. من هذه الأرضية انطلق الأنبا صرابامون للعمل والخدمة. 
 
فقدم طلبًا للحصول على قطعة أرض وبعد جهاد كبير ورفض تمت الموافقة بعدد ثلاثة أفدنة هدية من الحكومة، فقام ببناء أول كنيسة صغيرة بالطين والقش وإلى جوارها افتتح أول روضة لتعليم الأطفال. ولكن تعثرت أحوالهم المادية مما جعل الأنبا صرابامون يبيع حماره الخاص (وهو وسيلة المواصلات الوحيدة في ذلك العصر) بمبلغ 7 جنيهات ليسدد مرتبات المدرسين.
 
زار قداسة البابا كيرلس الخامس السودان مرتين المرة الأولى في 25 مارس 1904م، وتم فيها وضع حجر الأساس لكاتدرائية السيدة العذراء بالخرطوم (وكان قداسته قد ساهم بجزء كبير في تكليفها وقد أرسل مهندسًا من البطريركية للإشراف على بنائها مع خطاب من قداسة البابا للأنبا صرابامون يقول له فيه: "مُرسل لكم المهندس حمزة بمرتب شهري قدره 600 قرش مع مراعاة برسيم الحمار".
 
كما تم أيضًا تأسيس أول جمعية قبطية بالخرطوم، ووضع حجر أساس كنيسة العذراء في مدينة وادي حلفا في 29 مارس 1904.
 
وكانت الزيارة الرعوية الثانية في7 فبراير 1909، وتم فيها تدشين كاتدرائية العذراء بالخرطوم في 14فبراير1909م وفي نفس اليوم قام قداسته بترقية نيافة الأنبا صرابامون إلى رتبة مطران، كما تم وضع حجر أساس المدرسة القبطية الكبرى.
 
كان الأنبا صرابامون يقوم بصلاة القداسات في فناء المنازل "ما يسمى بالحوش" وسط تجمعات المسيحين. وبدأ رحلة طويلة من العمران والخدمة وبناء الكنائس، فقام في عام 1911 ببناء كنيسة العذراء وادي حلفا، وفي 1912 بنى كنيسة العذراء بأم درمان، وفي عام 1913 بنى كنيسة مار جرجس بالخرطوم بحري، وفي عام 1914 بنى كنيسة العذراء بعطبرة، وفي عام 1915 بنى كنيسة مار جرجس بالأبيض، وكنيسة بالدامر وكنيسة بورتسودان.
إلى جانب بناء الكنائس، اهتم الأنبا صرابامون اهتمامًا خاصًّا بالتعليم، فقام في عام 1919 بتشييد الكلية القبطية بنين بدأت بـ ابتدائي. وكان أول ناظر لها المتنيح نسيم سمعان، وفي عام 1924 قام بتشييد الكلية القبطية بنات، وكانت أول ناظرة لها مدام نور. وكان مستوى ذلك المدارس رفيعًا وأساتذتها من العلماء كما خدمت أبناء السودان جميعًا مسلمين ومسيحيين وتخرج منها شخصيات كبيرة. لأجل ذلك جمع تبرعات من كل مكان وكان يقول الناس بلغة البساطة" أعطوني ثمن فرخة لأجل الكنائس والمدارس- وأعطوني من مليم حتى 100 جنيه والرب يقبل عطاياكم"
 
مواقف من حياة الأنبا صرابامون
1- علاقاته بالقديسين: كان كل من يزوره في قلايته يسمعه يتكلم مع السيدة العذراء ورئيس الملائكة ميخائيل وغبريال وقديسين آخرين. وكان معاصرًا لرجل البر الأنبا إبرآم أسقف الفيوم والجيزة والقمص ميخائيل البحيري والقمص عبد المسيح المسعودي الكبير.
 
2- حياة البساطة: زاره مرة الحاكم العام للسودان دون ميعاد سابق فوجده لابسًا ملابس بسيطة للغاية يحمل أدوات البناء ويعمل مع العمال أثناء بناء دار المطرانية فاستقبله ثم غير ملابسه، فسأله الحاكم هل المطران قريب العامل، فأجابه الأنبا صرابامون أنا راهب والراهب يجب أن يعمل ليذلل الجسد، فتعجب الحاكم ودفع تبرعًا مضاعفًا طالبًا بركة صلواته.
 
3- شفافية الروح: كان الأنبا صرابامون يجمع تبرعات للمدارس فذهب إلى طاحونة العم مقار الذي كان كريمًا جدًّا وكان يضع أمواله داخل جوال وسط جوالات الحبوب كتمويه، ولم يكن أحد يعلم قط ببنك العم مقار، فذهب إليه الأنبا صرابامون ووقف أمام الجوال وقال (أعطيني المبلغ الموجود هنا لأننا في احتياج إليه والرب يبارك نسلك) فأعطاه فلازمت البركة أسرته. 
 
ومن معجزات الأنبا صرابامون أيضًا: 
1- كانت المواصلات بين أم درمان والخرطوم تمر بمراحل ثلاثة: الأولى ترام البخار ثم معدية في النيل ثم الدواب. ركب الأنبا صرابامون الترام وببساطته جلس في المكان المخصص للسيدات، وعندما حضر الكمساري صمم على طرد الأنبا صرابامون فقال له (أنا رجل كبير في السن) لكن الكمساري صمم على موقفه فقال له الأنبا صرابامون (هموتهولك) ونزل لكي يكمل مشواره سيرًا على الأقدام، إلا أن الترام لم يتحرك رغم إنه لا يوجد سبب لذلك. ولما طالت المدة قال أحد الركاب للكمساري (يا زول رجع شيخ النصارى) وفعلًا سار الكمساري حتى لحق بالأنبا صرابامون وترجاه أن يرجع معه فرجع وما أن وضع قدماه في الترام حتى تحرك الترام في الحال.
 
2- كان يوسف المقدم ميخائيل يعمل في تجارة الحبوب وفي إحدى رحلاته بالمركب هبت عليهم رياح عاصفة كادت أن تودي بحياته غرقًا، وكان كل من في المركب يستنجد بوليه (الولي أو الشيخ) فسألوا يوسف إن كان له ولي يستنجد به فقال (يا صرابامون يا ساكن المقرن) وإذا بريح قوية تقذف المركب إلى الشاطئ ونجوا جميعًا، ولما وصل الخرطوم أخذ جوال ذرة وذهب إلى سيدنا فلما رآه وقبل أن يتكلم يوسف (قال له يا يوسف يعلم السيد المسيح صليت لأجلك).
 
3- كان منزل السيد لوندي عصفور غير مستقر لسبب انهيال الحجارة عليه من جميع الاتجاهات دون معرفة السبب وجاء رجال الشرطة وفتشوا المنازل المجاورة، ولكن دون جدوى أخيرًا جاءوا بالأنبا صرابامون الذي بمجرد دخوله المنزل توقفت الحجارة وصلى هناك ولم يتكرر هذا الأمر مرة أخرى.
 وهناك الكثير والكثير من المعجزات وشفاء الأمراض وإخراج الشياطين لن يتسع الوقت لذكرها كلها.
 
 جدير بالذكر أنه خدم في السودان مع الأنبا صرابامون القمص سرجيوس خمس سنوات من 1910-1915.
قام الأنبا صرابامون في سنة 1918 بإحضار القمص يوحنا سلامة، للعمل معه كوكيل لمطرانية السودان، وكان هذا الآب لاهوتيًّا بارعًا متحدثًا لبقًا، فاستمال قلوب الشعب خصوصًا الأجانب منهم، وكان على النقيض الأنبا صرابامون رجلًا بسيطًا متواضعًا متجردًا من القنية العالمية، لذلك بدأ عدو الخير يزرع بذور الشقاق في جسد الكنيسة فعمل البعض على تزكية القمص يوحنا سلامة للأسقفية ومن هنا انقسم الشعب إلى فريقين: فريق مؤيد الأنبا صرابامون ورافض لرسامة القمص يوحنا سلامة والفريق الآخر يؤيد سيامته.
 
كان القمص يوحنا سلامة أولًا رجلًا متزوجًا ثم ماتت زوجته، فذهب لدير المحرق وترهب هناك ونال نعمة الكهنوت، ولما استفحل الأمر أمر قداسة البابا كيرلس الخامس باستدعاء الأنبا صرابامون وأبونا يوحنا سلامة وتمكن بنعمة الله من إزالة الخلاف بينهما وأمرهما بالرجوع معًا إلى السودان، ولكن للأسف عندما وصلوا إلى حدود حلفا أمرت السلطات السودانية بعدم السماح للأنبا صرابامون بدخول السودان وسمحت للقمص يوحنا سلامة. 
 
وهكذا ظل الأنبا صرابامون منفيًّا عن كرسيه، بعيدًا عن أولاده الذين أحبهم وأحبوه، وظل يرعاهم بالرسائل ويرسم لهم الكهنة في القاهرة ويرسلهم إليهم، وظل بالقاهرة في القصر البطريركي بحلوان حتى تنيح في 18 يونيو 1935م ودفن بالمقبرة البطريركية أسفل الهيكل الرئيسي لكنيسة الشهيد العظيم فيلوباتير مرقوريوس أبي سيفين الأثرية بمصر القديمة. 
 
جدير بالذكر أن المقبرة البطريركية تحتوي أيضًا على أجساد اثنين آخرين من أساقفة السودان هما الأنبا مكاريوس الثاني مطران النوبة والخرطوم الذي تنيح في 17 فبراير 1896م والأنبا توماس أسقف عطبرة وأم درمان والذي تنيح في 8 أغسطس 1963م. 
 
وقام المجمع المقدس لكنيستنا القبطية برئاسة حضرة صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا تاوضروس الثاني وبحضور عدد 119 من الأحبار الأجلاء المطارنة والأساقفة، وأبينا حضرة صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا يوليوس وذلك في يوم الجمعة 22 مايو 2026م / 14 بشنس 1742 بالاعتراف بقداسة الأنبا صرابامون مطران النوبة والسودان. بركة صلاة القديس الأنبا صرابامون فلتكن معنا. ولربنا المجد الدائم أبديًّا. آمين.