القمص يوحنا نصيف
 بالإضافة لمعرفته العميقة بالأسفار المقدّسة والفكر الإلهي، كان القدّيس بولس الرسول مُثَقَّفًا بثقافة عَصرِه؛ ولذلك كان يَذكُر أحيانًا في كرازته بعضًا من الشِّعر اليوناني والفكر الفلسفي والأمثال المتداوَلة شعبيًّا، وأيضًا بعض التعبيرات والتشبيهات التي تُستَخدَم في المسابقات الرياضيّة.. وهذا يَظهَر في رسائله، وفي عظاته المُسجَّلة كتابةً في سِفر أعمال الرسل.
 
اللطيف في الموضوع أنّ القدّيس بولس كان ينزل لمستوى الناس بتعبيرات تمسّ اهتماماتهم وشغفهم بالرياضة، ثمّ ينقلهم للمستوى الروحي الأجدر بالاهتمام، مع عدم إهمال أو احتقار المفهوم الرياضي البدني النافع أيضًا لحياتهم الأرضيّة.
 
 أودّ بنعمة المسيح في هذا المقال أن أعرض هذه اللقطات التي استخدَمَ فيها القدّيس بولس لغة الرياضة البدنيّة في رسائله، مع تعليقات روحيّة بسيطة عليها.
 
وجدير بالذِّكر أن الترجمة العربيّة المتداوَلة (البيروتيّة) للأسف تُكَرِّر بالخطأ استخدام كلمة "يُجاهِد" بدلًا من كلمة "يَتَسابَق رياضِيًّا" التي يستخدمها القدّيس بولس، وبالتالي يذهب المعنى بعيدًا عن المقصود، وهذا ما سيتّضح في الشرح للقارئ العزيز:
 
* اللقطة الأولى:
 "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلَكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هَكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ (يتسابق) يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولَئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لَا يَفْنَى. إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هَكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هَكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لَا أَضْرِبُ الْهَوَاءَ. بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلْآخَرِينَ لَا أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 24-27).
 
من الواضح هنا، أنّ القدّيس بولس الرسول وهو يتحدّث عن الجهاد الروحي الأمين، وبالذّات في ميدان خدمة المسيح والكرازة باسمه، يضع أمامنا صورة المتسابقين الذين يضحّون براحتهم، ويلتزمون بأعلى درجات الانضباط في كلّ شيء، لكي ينالوا الميدالية الذهبيّة أو كأس البطولة.
 
ويقول أن هؤلاء يأخذون إكليلًا فانيًا، أمّا نحن فأمامنا إكليلٌ لا يفنَى ينبغي أن نجاهد روحيًّا بقوّة ووعي وانضباط في كلّ شيء لكي نحصل عليه.
 
كما يؤكِّد أنّ مشاغبات الجسد إذا استسلمنا لها سوف تُخرِجنا خارج السباق نحو الملكوت، وتجعلنا مرفوضين وغير مؤهّلين للحصول على المكافأة السماويةّ. وهذا أمر في منتهى الخطورة ينبغي أن ننتبه دائمًا له، ونُخضِع الجسد كخادم لنا، ولا نجعله سيّدًا علينا أبدًا؛ لأنّ الحقيقة أنّ الجسد خادم جيّد، ولكنّه سيّد رديء!
 
* اللقطة الثانية:
 "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلَكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لِأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلَكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ ٱلْغَرَضِ لِأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ ٱللهِ ٱلْعُلْيَا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في3: 12-14).
    يستخدم هنا القدّيس بولس تعبير "جعالة دعوة الله العُليا"، لتوضيح أهميّة الحصول على الجائزة أو كأس البطولة، كتحفيز المؤمنين على السعي الروحي الذي لا يتوقّف تجاه المكافأة السماويّة.
 
* اللقطة الثالثة:
  "رَوِّضْ نَفْسَكَ لِلتَّقْوَى. لِأَنَّ الرِّيَاضَةَ الْجَسَدِيَّةَ نَافِعَةٌ لِقَلِيلٍ، وَلَكِنَّ التَّقْوَى نَافِعَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، إِذْ لَهَا مَوْعِدُ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ وَالْعَتِيدَةِ" (1تي4: 7-8).
    يكشف القدّيس بولس الرسول هنا أنّ التدريبات الروحيّة، كالصوم والصلاة والميطانيات وضبط اللسان، تتشابه مع التمرينات الرياضيّة للجسد، وتحتاج لمثابرة وصبر حتّى ينمو الإنسان في الإيمان والفضيلة والقداسة.
 
    كلمة "التقوى" تُعنى "مخافة الله"، أي الشعور الدائم بحضور الله في حياتنا؛ كما تُعني أيضًا "القداسة"، أي تقديس الحياة لله؛ ولذلك يقول عنها القدّيس بولس أنّها نافعة لكلّ شيء، وستجعلنا ناجحين في الأرض وفي السماء.
 
* اللقطة الرابعة:
 "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُجَاهِدُ (يتسابق)، لَا يُكَلَّلُ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيًّا (يتسابق بحسب قواعد السباق)" (2تي2: 5).
 
    يتحدّث هنا القدّيس بولس في سياق حديثه مع القدّيس ثيموثاوس، عن بعض أساسيّات الخدمة الناجحة، فيشجّعه على الالتزام في خدمته بحسب وصايا الله وقوانين الكنيسة، كمثل مَن يشترك في سباق ويكون مُلزَمًا تمامًا باحترام قواعد هذا السباق.
 
  هكذا كلّ من يخدم المسيح ينبغي أن يحترم وصاياه التي أوصانا بها، لكي نخدمه خدمة مقبولة وننال الإكليل السمائي؛ وبالطبع كلّنا نعرف هذه القواعد التي سلّمها لنا مِن غسل الأرجل والمحبّة والصبر والتواضُع والقدّاسة والشهادة للحق والتسامح والبذل والوداعة ونشر السلام.. إلخ.
 
* اللقطة الخامسة:
"لِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ (السِّباق) الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" (عب12: 1).
 
 أخيرًا، يرسم القدّيس بولس هنا منظرًا بديعًا أمامنا، بل يضعنا أيضًا داخل هذا المنظر؛ وكأنّنا في حلبة سباق يحيط بنا عددٌ ضخمٌ من المشجّعين، ويقصد بهم الأبرار والشهداء والقدّيسين أبطال الإيمان الذين سبقونا للسماء، بينما نحن لازلنا في ملعب الأرض، ونواصِل التقدّم بقوّة وصبر وتركيز في السباق نحو خطّ النهاية!