(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أواصل تقديمَ حُزمة مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الإسبانيّة. وأعرض هذه الرسائلَ الحَبريّة متّبِعًا الترتيب الزمنيّ لمحطات هذه الزيارة الرسوليّة.
9. القلقُ الوجوديّ الصحّيّ وإعادة اكتشاف الإيمان المسيحيّ، وقضيّةُ "الألم"، و"ديناميكيّةُ المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين"، وليالي حياتنا والكنيسة والمجتمع
في "عشيّة الصلاة"، في المدرّج الأولمبيّ "لويس كومبانيس" (Lluís Companys) ببرشلونة (9 يونيو/حزيران 2026)، أقام البابا لاوُن الرابع عشر حوارًا حياتيًّا وفلسفيًّا وثيولوجيًّا وروحيًّا مع الجموع الغفيرة الحاضرة، ولا سيّما مع الذين قدّموا شهاداتهم وخبراتهم المتنوّعة. ويُعَدُّ مضمونُ هذا الحوار مهمًّا للغاية. وقد يحتلّ –على الأقلّ في وجهة نظري– الترتيبَ الثاني بعد كلمته أمام "أعضاء البرلمان الإسبانيّ في مجلس النوّاب" (8 يونيو/حزيران 2026)، من حيث مغزاه وثَرائه. فإن كانت كلمةُ قداسة البابا في مجلس النوّاب، قد تمحورت حول "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" بشكلٍ خاصّ؛ فإنّ حواره، مع عظته أيضًا، أثناء "عشيّة الصلاة" هذه، قد تَعلّق بفلسفة الإيمان المسيحيّ وعِلْم لاهوته وروحانيّته. ولذا، فيُنصحى بقراءته بأكمله، مرارًا وتكرارًا.
في ردّه على السؤال الأوّل، الذي طَرَحه أحدُ الشباب ممَّن قَبِلوا سرَّ المعموديّة حديثًا ("كيف يمكننا أن نُبقي نظرنا موجّهًا نحو ما يهمّ حقًّا، بينما يدفعنا المجتمع إلى أن ننظر باستمرار إلى أسفل أو إلى أنفسنا فقط؟ كيف يمكننا أن نكتشف دعوتنا الحقيقيّة وسط هذا التّيّار؟")، أوضح قداسة البابا ما يلي:
«هناك العديد من الشّباب والبالغين الذين يكتشفون الإيمان المسيحيّ من جديد، ربّما بعد فترة من حياتهم كانوا فيها قد ابتعدوا قليلًا عن الله. إنّها خطوة مهمّة حقًّا. في الواقع، كلّ ما نكتشفه ونتقبّله ونعيشه تدريجيًّا في كلّ مسيرتنا، يساهم بالتّأكيد في نموّنا ونضجنا وتوسيع آفاق الحياة في داخلنا، وفي الوقت نفسه، بين فرحنا ونجاحاتنا وهزائمنا، ندرك أنّنا بحاجة إلى ماء آخر لنروي عطشنا بشكل أعمق. رغبتنا في الحقيقة والسّعادة تحتاج إلى أُفق أوسع. وهذا القلق هو عطيّة منحنا إيّاها الله نفسه: خلقنا الله على قياس اللانهاية، ولذلك فإنّ كلّ أفق محدود، وكلّ خطوة، وكلّ إنجاز، رغم أنّه يُرضينا، فإنّه في الوقت نفسه يدفعنا إلى الأمام ويدعونا إلى أن نواصل البحث، وأن نتقدّم في بحثنا، وقبل كلّ شيء، أن نبحث "وننزل إلى داخلنا"، أي أن ننظر في أعماقنا.
وهنا أعود إلى السّؤال مع فكرتين قصيرَتين. الفكرة الأولى: من الضّروريّ أن ننمّي هذا القلق الصّحّيّ. ففي مجتمعاتنا، عبادة الرّبح والإنتاجيّة، والهوس الدّائم بضرورة الإنتاج والفوز، وكذلك عبادة الصّورة الشّخصيّة، وكلّها ليست إلا مخدّرات تخدّر ضميرنا وتجعله يتكيّف مع فكرة معيّنة عن المجتمع. عندما يتعلّم النّاس أن يتوقّفوا، ويعطوا قيمة للأمور المهمّة، ويقدّروا الوقت بطريقة جديدة، ويفكّروا في حياتهم مستنيرين بالإنجيل، فإنّهم يطوّرون أيضًا تفكيرًا نقديًّا تجاه نظام اجتماعيّ لا يضع الإنسان في المقام الأوّل، ويؤدّي إلى أوضاع من الظّلم والفقر الوجودي على مستويات مختلفة. لهذا السّبب فإنّ القلق مخيف، وكذلك اكتشاف الحياة الدّاخليّة، والرّوحانيّة، وأكثر من ذلك الإنجيل. الفكرة الثّانية هي: يجب أن ننمّي هذا القلق في هذا العالم، وليس في عالم آخر. داخل هذا المجتمع اكتشفتَ أنتَ وآخرون كثيرون قيمة حياة أكثر إنسانيّة، فيها امتلاء أكثر، ومنفتحة على اللقاء مع الله وعلى فرح الإيمان. هذا يعني أنّه، على الرّغم من الصّعوبات، فإنّ المكان الذي يحضر فيه الله والذي يجب علينا أن نجد آثاره فيه هو دائمًا الواقع الذي نعيش فيه. نؤمن بأنّ الرّوح القدس يعمل بصمت في جميع ظروف الحياة والتّاريخ، حتّى في التي تبدو أصعب الأمور. يجب أن ننمّي هذا القلق ونفسح له المجال، كما قُلت، "ونبحث في داخلنا"، ونحاول ألّا تطغى علينا إيقاعات الحياة والإغراءات الخارجيّة، ونخصّص لحظات للصمت، وربّما نتوقّف لبضع دقائق في اليوم لنقرأ الإنجيل ونتكلّم إلى الله، ونحاول أيضًا أن نسير بهذه المسيرة الدّاخليّة مع الآخرين، فنسمح لأنفسنا بأن نُرافَق في المسيرات الكنسيّة المختلفة، ونتحاور مع الكهنة والرّهبان والأشخاص الذين سلكوا هذه المسيرة مثلنا».
وفي ردّه على السؤال الثاني، الذي طَرَحته إحدى الفتيات التي كافحت ضدّ الاكتئاب والانتحار ("أين يمكننا أن نرى الله عندما تكون الظّلمة دامسة ولا نستطيع أن نتحمّل ثقل الحياة؟ كيف يمكننا أن نثق بالله، عندما يبدو أنّ لا شيء يستحقّ العناء، ولا حتّى أنفسنا؟")، تحدّث قداسة البابا عن قضيّةِ "الألم" وخبراته المتنوّعة المريرة، رابطًا إياه بـ"ساعات الظلام والقلق والألم التي عاشها يسوع المسيح"، التي من خلالها قد تضامَن مع البشر أجمعين. وقد أكّد قداسته ما يلي:
«بينما كنت أستمع إليك، فكّرت في ساعات الظّلام والقلق والألم التي عاشها يسوع المسيح عندما اقتربت ساعة موته. جاء في الأناجيل، في لَحظتَي العشاء الأخير والصّلاة في الجَتسَمانِيَّة، أنْ قد اقترب المساء، وحلّ الليل، كما روت أيضًا أنّه، قبل موته على الصّليب بقليل، "خَيَّمَ الظَّلامُ على الأَرضِ كُلِّها" (متّى 27، 45؛ لوقا 23، 44). في الواقع، لا يقتصر الأمر على ألم شخصيّ فحسب، فابن الله كان يحمل في جسده كلّ قلق البشريّة ووِحدتها وألمها. في تلك السّاعة المظلمة، وبينما كان يسوع يموت على الصّليب، شاركنا ألمنا وكشف لنا عن وجه الله الرّؤوف، الذي يحمل ثقل أوجاعنا، ويتألّم معنا، ويبكي بدموعنا، ويبقى إلى جانبنا بحضوره المليء بالمحبّة والرّحمة.
أن نعيش هذه الخبرة أمر صعب، كما تشهد بذلك الكتب المقدّسة مرارًا وتكرارًا، فهناك لحظات من الظّلام والألم التي تسكت عنها مجتمعاتنا، لأنّ بعض النّماذج الثّقافيّة تريدنا أن نكون دائمًا منتصرين وكاملين، ولهذا السّبب، يجب القضاء على الحدود فينا والضّعف والألم، وحصرهما في صمت صاخب في الوِحدة أو حتّى الخجل. وفي هذه اللحظات، يمكننا أن نفكّر تلقائيًّا أنّ الله أيضًا تخلّى عنّا. لكن صليب يسوع يقول لنا إنّ الله لا يتخلّى عنّا، وإنّ يسوع يبقى مصلوبًا معنا في لحظة الألم والوِحدة الشّديدة، وإنّه لا يكفكف دموعنا فقط، بل يسمع صرخة ألمنا التي لا يسمعها الآخرون، أمّا هو فقد ضمَّها إلى صرخته على الصّليب، لمَّا قال: "إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتَني؟" (متّى 27، 46) [...]
في ساعات الألم، على الأقل بقدر الإمكان، يجب علينا أن نفتح قلبنا لشخص ما يساعدنا لنقول صلاة بسيطة، ويرافقنا بتحفّظ، ومن غير تسرّع ليفسّر لنا ألمنا، بل يأخذ بيدنا ويخرجنا من ذلك الصّراخ. هذه الخبرات تحمل رسالة لنا نحن المؤمنين أيضًا، وللكنيسة كلّها: يجب علينا ألّا نُعطي الألم صبغة روحانيّة، ونربطه بشكل سطحيّ بـ"إرادة الله" أو بأحد مخطّطاته الغامضة، لأنّ هذا يقلّل من شأن الألم، ويُسكته، ويجرح النّاس. لا يريد الله الألم، بل يحمله معنا ويدعونا إلى أن نثق به بثبات. لنتذكّر ما قاله البابا فرنسيس: مع الله، الحياة تولد من جديد دائمًا».
وأخيرًا، في ردّه على السؤال الثالث، الذي طَرَحته إحدى الفتيات المنتمية إلى إحدى العائلات الفقيرة، وقد حاول أباها أن يقتل أُمَّها، عندما كانت طفلة ("كيف يمكنني أن أغفر لأبي، الذي كان على وشك أن يتركني بلا أمّ؟ كيف يمكنني أن أتصالح حقًّا مع الله؟")، تناوَل قداسة البابا مسألةَ "ديناميكيّة المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين" من وجهةِ نظرٍ مسيحيّة، من حيث كونها علاجًا ودعوة ومسيرة؛ فقال:
«يجب أن نتعلّم أن نعتبر المغفرة علاجًا قويًّا ضدّ الشّرّ ويشفي جراحنا الدّاخليّة، وهو جزء من عمليّة، ومن مسيرة. الإنجيل نفسه، إن قرأناه ككتاب من الإرشادات والوصايا والواجبات، يوشك أن يسبّب لنا اليأس والإحباط الكبيرَين، لأنّنا بينما يدعونا يسوع إلى المغفرة، ندرك أنّنا غير قادرين على ذلك. لكن الأمر ليس كذلك. يجب قبل كلّ شيء أن نطلب المغفرة من الرّبّ يسوع، وأن نستمرّ في الطّلب – ربما كلّ حياتنا – لكي يوسّع الرّبّ يسوع فينا مساحة الحبّ في المكان الذي جُرِحنا فيه، وأن يساعدنا لنتصالح مع أنفسنا ومع ذلك الجزء من تاريخنا الذي اتسم بالآلام، وأن يحول ببطء الحقد إلى رحمة وشفقة. إنّها مسيرة طويلة، وهي عمليّة تتطلّب الكثير من الصّبر، وهي عمل في أنفسنا يجب أن نقوم به، سواء شخصيًّا أو بمسارات أخرى من المرافقة الرّوحيّة والمصالحة الدّاخليّة. ومن الضّروريّ ألّا نفقد الأمل: ففي المغفرة نتقدّم بخطوات صغيرة.
المصالحة مع التّاريخ هي عمليّة تدريجيّة، وقبل كلّ شيء، يجب ألّا نفكّر في أنّ المغفرة تعني دائمًا وفي كلّ الأحوال العودة إلى الوضع السّابق أو العيش في علاقة كاملة مع من جرحنا، خاصّة عندما يكون ما حدث مصحوبًا بالعنف. يمكننا أن نحافظ على نيّة طيّبة تجاه الشّخص، ونرفض أيّ شكل من أشكال الكراهية أو الانتقام، ونسعى جاهدين لإصلاح العلاقة قدر الإمكان، وربّما نصلّي من أجله أو من أجلها: سيساعدنا هذا لندخل أكثر فأكثر في ديناميكيّة المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين. فنحن خطأة نلنا المغفرة، وقد نلنا السّلام وأصبحنا قادرين على أن نغفر، وقادرين على أن نكون حاملي سلام».
من جهةٍ أخرى، قد دارتْ عظةُ البابا لاوُن الرابع عشر، في "عشيّة الصلاة" عينها، حول نموذجيّة "نيقوديمُس" (يو 3) بالنسبة لنا كمؤمنين، وللكنيسة والمجتمع، من حيث مسيرة الحَجّ وليالي الإيمان ومشقّته. فـ«نحن أيضًا مثل نيقوديمُس، حجّاجٌ في الليل. هذه الأيقونة الإنجيليّة تقدِّم لنا أوّلًا رسالةً عن مسيرة الحياة. مسيرتنا، ورغباتنا، وكلّ ما نقبله ونعيشه يوميًّا، في الفرح والفشل، وفي الطّموحات والمشاريع، هو تعبيرٌ عن بحثنا الدّائم: نحن متسوّلون للمحبّة، وجائعون وعطاش إلى الحقيقة، نبحث عن معنى كامل يسندنا ويشجّعنا ويساعدنا لنفهم سرّ حياتنا [...]
فإنّنا نختبر أحيانًا ليل الإيمان، ومشقّة الإيمان، وإرهاق الرّوح، والشّعور بعدم الكفاءة أمام دعوة الإنجيل، ومرارة فشلنا، والخوف من ألّا نكون على مستوى الدّعوة.
أيّها الإخوة والأخوات، نيقوديمُس يعلّمنا أنّ هذه الليالي، التي ترافق حياتنا ومسيرة إيماننا والتّاريخ الذي نعيشه، هي موضع بركة، ومكان للولادة الجديدة، ورحمٌ يلد دائمًا حياةً جديدة. فهذه الليالي تجرّدنا وتعيدنا إلى ما هو جوهريّ وأساسيّ، وتنزع عنّا الأقنعة البشريّة والدّينيّة التي نرتديها في النّهار، لكي لا يعرفنا النّاس أو لكي نقدِّم صورةً عن أنفسنا تختلف عمّا نحن عليه، وتتركنا عراةً في أنوارنا وظلالنا، فتردّنا إلى التّواضع لننظر إلى أنفسنا على حقيقتها، بعيدًا عن غرور الاعتقاد بأنّ مسيرتنا قد اكتملت، وأنّنا نسير وكأنّ لنا نورًا واضحًا على كلّ شيء، وعلى الجميع، وحتّى على الله [...]
لهذا نحن أيضًا مدعوّون ألّا ندين "الليالي"، لا ليالي حياتنا، ولا ليالي الكنيسة، ولا ليالي المجتمع الذي يحيط بنا. بل يجب، في الليل، أن نبدأ طريقنا ونسير كما عمل نيقوديمُس، ونواصل مخاطبة الرّبّ يسوع، ونفتح أنفسنا على ريح الرّوح القدس، لكي نقبل الليل بعد الآن لا كعلامة فشل، بل كبداية حياة جديدة».





