محرر الأقباط متحدون
حذّر الكرسي الرسولي من التداعيات المأساوية المتزايدة للنزاعات المسلحة على الأطفال، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الكاملة في حماية حياتهم وكرامتهم ومستقبلهم. جاء هذا الموقف خلال مداخلة بعثة المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى مجلس الأمن الدولي، في جلسة نقاش عام حول الأطفال والنزاعات المسلحة، عُقدت يوم أمس الخميس في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
وأكدت بعثة الكرسي الرسولي أن الأطفال يبقون الفئة الأكثر هشاشة في الحروب، وأن المجتمع الدولي لا يمكنه التخلي عن واجبه في صون حقوقهم الأساسية، مشددة على أن طريقة الاستجابة لمعاناتهم تمثل معياراً حقيقياً لمدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واحترام الكرامة الإنسانية لكل شخص.
هذا ودعا الكرسي الرسولي جميع أطراف النزاعات إلى احترام القانون الدولي الإنساني بشكل كامل، وضمان تطبيق الحمايات الخاصة التي أُقرت للأطفال في جميع الظروف، مشيراً إلى أن على الدول مسؤولية مباشرة في حماية المدنيين من آثار الأعمال العدائية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة بحق القاصرين.
بعدها أعربت البعثة عن قلقها العميق إزاء ما كشفه التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنتونيو غيتيريس، الذي وصفته بأنه يرسم صورة قاتمة عن حجم المعاناة التي يتعرض لها الأطفال في مناطق النزاع. وأشارت إلى أن الزيادة الموثقة في الانتهاكات الخطيرة تؤكد الحاجة الملحة إلى تكثيف الجهود الدولية لحماية الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة.
كما أكد الكرسي الرسولي أن الأطفال ما زالوا يتحملون النصيب الأكبر من مآسي الحروب، إذ يُقتلون أو يُصابون في أماكن يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً لهم، مثل المنازل والمدارس والمستشفيات ودور العبادة. كما أن كثيرين منهم يعيشون آثار العنف حتى بعد توقف القتال، من خلال الصدمات النفسية والإعاقات الجسدية وفقدان أهلهم.
هذا وسلط الكرسي الرسولي الضوء على استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال واختطافهم وتعريضهم لسوء المعاملة والاستغلال، معتبراً أن هذه الممارسات تحرمهم من طفولتهم، وتفصلهم عن أسرهم ومجتمعاتهم، وتترك آثاراً طويلة الأمد على حياتهم ومستقبلهم. وعبرت البعثة عن قلقها من تداعيات النزوح القسري، والتفكك الأسري، وانقطاع التعليم والرعاية الصحية، وهي عوامل تحرم ملايين الأطفال من الشروط الأساسية لنموهم السليم وتنميتهم الإنسانية المتكاملة.
في سياق آخر، حذرت البعثة من تنامي استخدام التقنيات الحديثة في الحروب، ولا سيما الأنظمة العسكرية غير المأهولة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، معتبرةً أن هذه التطورات تطرح أسئلة أخلاقية عميقة بشأن حماية المدنيين، وخصوصاً الأطفال. واستشهدت البعثة في هذا السياق بما ورد في رسالة البابا لاون الرابع عشر العامة "الإنسانية الرائعة"، حيث أشار إلى أن أي تقنية تسهّل تنفيذ الهجمات من دون رؤية وجه الإنسان تُضعف الحس الأخلاقي في النزاع، مؤكدةً أن التكنولوجيا، مهما تطورت، لا يمكن أن تحل محل الحكم الأخلاقي والمسؤولية البشرية في القرارات التي تمس حياة الإنسان.
في الختام، دعا الكرسي الرسولي الدول التي لم تنضم بعد إلى الإعلان السياسي الخاص بحماية المدنيين من الآثار الإنسانية للأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة إلى الانضمام إليه، مؤكداً أن استهداف المدنيين، وقصف المستشفيات والمدارس والبنى التحتية الحيوية، والاعتداء على الأطفال، تمثل جميعها فضائح أخلاقية تجرح إنسانية العالم بأسره. هذا ثم شدد الكرسي الرسولي على أن حماية الأطفال في أوقات الحرب ليست خياراً سياسياً، بل واجب أخلاقي وإنساني لا يحتمل التأجيل.
وقد عُقدت جلسة النقاش للنظر في أوضاع الأطفال المتضررين من الحروب والانتهاكات ومن أجل متابعة تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بحمايتهم.




