كمال زاخر
[5] اشكالية التعليم الكنسي المعاصر
1 ـ منطلقات التكوين:
الجذور والمسارات والحلول
والتي تنوعت من التغيير بالعنف المادي، ونموذجه جماعة الأمة القبطية، والذي لم يجد قبولاً على الأرض، سواء في صفوف الأقباط الذين رأوه مخالفاً لم استقر عندهم من قيم نبذ العنف وقيم الإصلاح السلمي بتجديد الفكر بحسب المسيح، أو نظام الحكم الذي تنبه إلى مخاطر تمدد هذا الحراك ليشتبك مع سياسة الدولة ويتحول إلى تيار سياسي معارض يتبنى المطالبة بحقوق الأقباط، وهذا يفسره العفو عن رموزه بعد حادثة اختطافهم للبابا البطريرك الأبنا يوساب، وهو افراج جاء تلبية لطلب البابا نفسه، ثم القبض عليهم مجدداً، فيما بعد، بسبب المذكرة التي تقدموا بها، بطلب من قادة الثورة وقتها، مشاركة في أعمال لجنة إعداد دستور 54 مطالبة تضمين الدستور مواد تؤكد حقوق الأقباط بما يحقق مساواتهم ببقية المصريين، في استشراف مبكر لمفهوم المواطنة، ثم جاء الانقلاب عليهم بعد أزمة مارس وازاحة اللواء محمد نجيب وتولي جمال عبد الناصر مقاليد الحكم، وقُدموا للمحاكمة التي ادانتهم وأصدرت بحقهم أحكاما بالسجن، وفيها قضت بسجن رائدها المحامي ابراهيم فهمي هلال سبع سنوات قضاها كاملة خلف الأسور، ومعها يصدر قراراً رئاسياً بحل الجماعة.
بجوار هذا التوجه كان هناك من اختار الإشتباك الفكري مع الواقع الكنسي، بطرق متعددة بين المقالات النارية التى تنتقد الواقع المتراجع، ونموذجه المتقدم جماعة مدارس الأحد ومجلتهم التي تحمل اسمهم، وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وتعددت الجهات التي تبنت هذا التوجه ما بين الرهبنة والتكريس انتهاءً بالمبعوثين إلى جامعات غربية لاستكمال دراساتهم اللاهوتية العليا، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين حلفاء الأمس الذين جمعهم الحلم وفرقتهم الطرق. ليتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه إلى الاحتراب وربما القطيعة.
دعونا نقرأ الصورة ونحاول أن نرسمها بمعطيات وقتها، فقد كانت مجموعات "التغيير بالفكر" شباب متقاربون في العمر، يحكم كل تيار تكوينه الفكري والسياسي وقدر اشتباكه مع الشأن العام، تيار مدارس الأحد كان يمتلك حراكاً في الشارع بحكم تواجده وخدمته وسط الناس، وبعضه كان مشتبكاً مع الحياة الحزبية، في محاولة أن يجد له موقعاً على غرار السياسي اللامع مكرم عبيد، وقد اعتبروه ايقونتهم، وتتلمذوا عليه، وانعكس هذا على منهجهم في ادارة معاركهم، سواء على صفحات مجلة مدارس الأحد أو في مراحل مسيرتهم نحو قيادة الكنيسة، بل وأيضاً في إدارتهم للكنيسة فيما بعد.
بحكم تعليمهم الجيد، والذي كان سمة عقود نشأتهم وتكوينهم، سواء في المدارس الحكومية أو مدارس الإرساليات، تشكل وعيهم على ما توفر وقتها من كتب أدبية ودينية، كانت الساحة الأدبية تموج بابداعات متنوعة، بينما كانت الساحة الدينية تئن من الندرة، كان المتاح الكتب التي توفرها مطابع لبنان وبعض من مطابع الجمعيات الأهلية القبطية، وكان أغلبها تحمل مؤلفات كنيسة انطاكية أو كنائس الإرساليات، وانعكس هذا على ما قدمه الرائد حبيب جرجس، الرائد المؤسس لمنظومة مدارس الأحد، ليسد فراغ المكتبة القبطية، وقد سعي بقدر المتاح أن يؤسس لثقافة قبطية معاصرة فكتب عدة كتب عن الأسرار الكنسية وعن تربية النشء وموضوعات روحية مختلفة، نذكر منها: الصخرة الأرثوذكسية، أسرار الكنيسة السبعة المقدسة، عزاء المؤمنين، الكنز الأنفس في ملخص الكتاب والتاريخ المقدس، سر التقوى، المبادئ المسيحية الأرثوذكسية، الوسائل العملية للإصلاحـات القبطية.
تيار التكريس كان يؤمن أن التغيير يبدأ فكراً، وأن ما وصلت إليه الكنيسة من جمود كان بسبب الانقطاعات المعرفية المتتالية، جراء هجرة اليونانية إلى القبطية بدوافع قومية، القرن السادس الميلادي، ثم هجرة القبطية قسراً إلى العربية في غضون القرنين العاشر والحادي عشر بضغوط سياسية، وبعدهما وجدت الكنيسة نفسها تصارع من أجل البقاء والحفاظ على ما في حوزتها من مخزون عقيدي وطقسي ولاهوتي، دون تفاعل مع الدراسات والأبحاث اللاهوتي الذي استمر في الكنائس الأخرى، لكونه حقل معرفي حي يتفاعل مع الحياة ومع مستجدات التلاقح الثقافي بين المدارس اللاهوتية كما كان يحدث في قرون ما قبل الإنشقاق، التي شهدت حوارات لاهوتية بين أقطاب الاباء وسجلته رسائلهم المتبادلة. وترجمتها المجامع المسكونية وقتها في مقراراتها وما صدر عنها من وثائق وقوانين.
نفر من هذا التيار اختار الرهبنة مناخاً ومكاناً يعكفون فيه على التنقيب عن التراث الآبائي وتعريبه وتحقيقه، ونفر أخر رأى أن رسالة التكريس تكون بين الناس، فأسسوا بيت التكريس بحلوان، ومن خلاله سعوا هم ايضاً للتواصل مع الزخم اللاهوتي في الكنيسة الأولى، سواء في لغاته اليونانية والقبطية، أو فيما توفر منه في ترجمات للغات حية وسيطة. ولأسباب عديدة انتقل بيت النكريس من حلوان إلى حدائق القبة ثم يتطور ليصبح مؤسسة ثقافية تحمل اسم مؤسسة القديس انطونيوس للدراسات الآبائية، وتعرف في الأوساط القبطية بإسم مركز دراسات الآباء.
فيما اشتبك نفر ثالث ـ ممن اختاروا الرهبنة ـ مع الحياة الكنسية خارج أسوار الأديرة، عن ايمان بأن التغيير يأتي من منظومتها الهيراركية الإكليروسية، فطرقوا أبواب الترشح للكرسي البابوي بعد نياحة (رحيل) البابا يوساب الثاني، كان ابرزهم الأب الراهب انطونيوس السرياني والراهب متى المسكين، الأمر الذي استنفر مطارنة الكنيسة والقيادة السياسية للدولة وكانت وقتها ضباط ثورة يوليو، كان المطارنة يخشون الرؤي التي يحملها هؤلاء بحكم الاختلاف الجيلي، فيما كان توجس ضباط يوليو من احتمال اشتباك هؤلاء الشباب مع المشهد السياسي وما يترتب عليه من تداعيات مقلقة، فكان أن اجتمعت الأراء على تعديل لائحة انتخاب البابا البطريرك فتأتي اللائحة الجديدة (1957) بشرطين حالا دون قبولهم كمرشحين؛ ألا يقل سن المترشح عن اربعين سنة وألا تقل مدة رهبنته عن خمسة عشر عاماً. لكنهم يواصلون مسعاهم، فيما بعد عندما تحقق فيهم الشرطين.
تجري في نهري الكنيسة والوطن مياه كثيرة، لتجد القيادات الكنسية وقد عبروا مرحلة الشباب والحلم، في حالة مواجهة واقع يتجاوز الحلم، وتحديات عنيفة جراء التحولات التي طالت توجهات الدولة والتي اعادت احياء نسق الاسلام السياسي بتحالفات جديدة وسياسات تتصادم مع ما استقر في الوجدان المصري ويتقاطع مع التعايش والقبول المتبادل، الأمر الذى حمل الكنيسة أدواراً سياسية ليست لها، تلامس هذا مع الخبرات السياسية عند القيادة الكنسية، والتي أضافت إلى اعبائها الرعوية عبء الاشتباك مع السياسة، ووجد هذا قبولاً عند الأقباط بفعل تصاعد نفوذ تيارات الإسلام السياسي، بل ووجد توافقاً مع اجهزة الدولة وبخاصة مؤسسة الرئاسة، التي بحسب الدكتور ميلاد حنا المفكر المصري استراحت أن تختزل الأقباط في الكنيسة وتختزل الكنيسة في شخص البابا، في اعلان مبكر لانتقاص مواطنة الأقباط، ولكنه توافق لم يدم إذ تحول إلى نفور وصل إلى ذروته بقرار رئاسي بعزل البابا وتحديد اقامته بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.
استطاع البابا شنودة أن يكتسب شعبية جارفة عبر تواصله المباشر مع الأقباط من خلال اجتماعه الأسبوعي الذي أسسه وهو بعد اسقف، ومن خلال الإصدار الثاني لمجلة الكرازة، وكانا منبران يحملان رؤية البابا ومن ثم الكنيسة في الأحداث الجارية، وربما ساهما بهذا في تعميق حالة النفور بين السادات وبينه، إذ صاراتا نافذة البابا في التواصل مع الناس ونجح في توظيفهما في تعميق شعبيته على المستويين الديني والسياسي، بما تحمله من رسائل قوية للشارع والدولة، وكانت أجهزة الدولة تترقب ما يأتي فيهما وتحليله لقياس تعاظم نفوذه السياسي، والذي يشكل تحدياً للرئيس وهو ما عبر عنه السادات بغضب في خطاب الأزمة 5 سبتمبر 1981.





