بقلم الأب يسطس الأورشليمى

نحميا هُو القائد للدفعة الأخيرة للعائدين من السبيّ إلى أورشليم، والمُهتم بسُور مدينة الله المُهدمة، وأبوابها المُحرقة..

لقد أدرك خلال قلبه الناري أن له رسالة أعظم من قبل الله، وهي أن يتمم عملاً فُوق كُل قُدراته، وإمكانياته، دُعي لإعادة بناء سُور أورشليم، وإعادة بناء المجتمع نفسه، حقاً أمُور تبدُو مستحيلة..

يُقدم لنا سفر نحميا حقيقة: الله إله المستحيلات، العامل في كُل العصُور في الهزيع الأخير حينما تقف كُل الأذرع البشرّية في عجزٍ تامٍ، عندما ندخل في دوامة الشعُور بالعجز، والإحباط، ونُحسب أن الظرُوف المُحيطة بنا سيئة بسبب الاحتياجات المُتزايدة، والموارد الناقصة، والإمكانيات العاجزة، يُقدم لنا الله هذه الرسالة: عند الناس غير مُستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كُل شيءٍ مُستطاع عند الله (مر27:10)..

إنه يعمل من أجل كُل البشرّية، ويهتم بكُل شخص كأنه ليس في العالم آخر غيره، إنه رجاء مَن ليس له رجاء، يستبدل باليأس رُوح الرجاء، والفرح والنُصرة والغلبة بالرّب يسُوع المسيح..

قال يُوحنا ذهبي الفم: لُو لم يُوجد في العالم سوى شخص واحد يحتاج للخلاص، وكُنت أنا هذا الشخص لكان المسيح بكُل تأكيد قد قاسى ما قاساه، ومات نفس الميتة من أجلي أنا وحدي..

لقد شهدت الجلجثة ثلاثة صلبان انتصبت مُتجاورة، وعلى كُل منهُم مات شخص متألماً، اثنان منهُم من أجل جرائمهُم، والثالث من أجلي أنا، لنقل مع الرسُول: مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ، فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي، راجع (2كو5:1؛ غلا20:2؛ في13:4)..

قدم كُورش آنية بيت الرّب التي استولى عليها نبُوخذنصر، يا للعجب رُوح الله يُحرك الملك الوثني، ويُقيم قادة قديسين ويُحرك قلُوب الكهنة والشعب، بل ويُحرك الشعب الوثني لتقديم هبات لإقامة هيكل إله السماء في أورشليم، هذا عمل الله ضابط التاريخ في حياة الكنيسة، كما في حياة كُل مُؤمن يتكيء على صدره، إنه يُقدم لنا ما يبدُو مستحيلاً..

جاء اسم نحميا يكشف عن جوهر السفر كُله، فكلمة نحميا تعني يهوه هُو الراحة والتعزية، يدُور السفر حول دور الله في حياة الكنيسة، كما في حياة المُؤمن، فمَن يود التعزّية يلجأ إلى الله واهب التعزّية ويثق في وعُوده، فتفيض التعزيات الإلهية فيه، وتغمر الآخرين أيضاً بها، لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتُنا أيضاً.. 

لقد حدث بعد موت سُليمان أن انقسمت مملكة إسرائيل إلى:
أولاً: المملكة الشمالية (إسرائيل) تضُم عشر أسباط سباهُم الأشوريُون عام 722 ق. م، قبض شلمناسر على هُوشع ملك إسرائيل، وسباهُم في خابُور نهر جُوزان وفي مُدن مادي (2مل6:17)..

ثانياً: المملكة الجنوبية (يهُوذا) تضُم سبطي يهُوذا وبنيامين، وقد سباهُم البابليُون عام 586 ق.م، قيل عن نبُوخذنصر: وسبى كُل أورشليم والرُؤساء.. سباهُم إلى بابل (2مل14:24-16)..

حوالي عام 445 ق.م أرسل الله نحميا، ودعاه لبناء سُور أورشليم، فأتم العمل في 52 يوماً، بالرغم من مقاومة الأعداء بني مُوآب، وبني عمُون، والأشُوريين، وتخاذل الشعب، قام ببناء الهيكل.. 

قاوم نحميا هذه الجيُوش بالإيمان بالله، وتحصّنت أورشليم بعد 142 عاماً من خرابها، أي عام 586 ق.م
وُلد نحميا في السبيّ، وصار ساقياً للملك أرتحشستا، يذُوق الخمر قبل الملك حتى يطئن أنه غير مسمُوم، وكان هذا المركز مرمُوق في العصر الفارسي، لأن الملك يأتمنه على حياته..

لم يكن قلب نحميا مُتكبراً رغم مركزه، لكنه كان رجُل صلاة يشعر بالدعوة لخدمة شعبه الذي انحل رُوحياً، كان مُستعداً أن يترك ترف القصر ليذهب إلى إصلاح شعبه ويُسندهُم في بناء سُور المدينة..

إذ سمع بحال أورشليم جلس مع نفسه وصام وصلّى لله، فأعطاه نعمة في عيني الملك الذي قدم له رسائل توصية، وأطلقه لبناء سُور أورشليم، وقد ذهب كحاكمٍ ملكيٍ مُعين من قبل إمبراطُور فارس..

بينما اهتم عزرا بالإصلاح الديني للشعب، اهتم نحميا بالإصلاح السياسي والجغرافي، لكن بلا فصل عن الجانب الرُوحي والأخلاقي، فترك فارس في السنة العشرين من الملك أرتحشستا، وعاد إليها في السنة الثالثة والعشرين من ملكه (نح1:2؛ 6:13)، كان عزرا قد سبقه إلى أورشليم بـ 13 عاماً، واهتم نحميا بالبناء الداخلي للشعب، ثم عاد إلى شُوشن العاصمة، ولم يبق فيه طويلاً، إذ رجع إلى أورشليم كحاكمٍ عامٍ..

حقاً لقد استطاع أن يُعيد بناء سُور أورشليم في الفترة السابقة خلال 52 يوماً، وقضى 12 عاماً للإصلاح الرُوحي والاجتماعي، مع هذا ما أن تركهُم إلى حين حتى أختلت المعايير الرُوحية، فبناء السُور يحتاج إلى أيام معدُودة لا تتجاوز الشهرين، أما بناء سُور النفس البشرّية فيحتاج إلى سنوات، وبقى حاكماً على يهُوذا على الأقل 12 سنة..

يُقدم لنا نحميا صُورة حّية للإنسان الذي يمزج حياته العملية بالرُوحية، فيظهر كرجُل صلاة يتكل على الله الذي ينجح الطريق، لكن ليس في رخاوة، إذ كان يُؤمن بالصلاة كان كاملاً في شخصيته شجاعاً في الرّب، يُقدم لنا مفهُوماً حياً لتكريس القلب واليدين..

القائد الحيّ هُو رجُل صلاة وعمل، يقُود مَن هُم حوله ليحملُوا ذات الرُوح، لم يُولد نحميا قائداً، ولم يكُن من نسل ملكي مثل زربابل، ولا كهنُوتي مثل عزرا، ولا إداري مثل دانيال رئيس الوزراء، إنما حبه الشديد لشعبه، وغيرته على المُقدسات جعلت منه قائداً، تعلم القيادة خلال الرُكب المُنحنية، والصلاة والصمت، والدمُوع، والصراخ لله..
راجع (نح4:1-11؛ 4:2؛ 4:4؛ 8:6؛ 14:13)..

كان رجُل عمل، تحرك إلى موقع العمل، يقُوم بتشجيع الطاقات للعمل: هلُم نبني سُور أورشليم، ولا نكُون بعد عاراً، كما قام بتنظيم طاقات العمل ليعرف كُل واحدٍ دُوره، لقد أدرك عظمة عمله، وتحديه للمقاومة، إنه عمل الله، قام بالعمل مع الحراسة في يقظة..
راجع الكتاب (نح11:2-17؛ 1:3؛ 14:4-16)..

جاهد مع الله بالعبادة الحقيقية، ومع الملك بالأمانة في العمل مع الشجاعة في تواضع، ومع الشعب ببث رُوح الرجاء، وضد الأعداء بعدم الارتباك بمناقشتهُم، لم تثنه المقاومة الخارجية ولا الداخلية، بل دفعته للعمل بقُوة أعظم، لإيمانه إنه يعمل لحساب الرّب، بث رُوح القيادة في الشعب، وكان يُؤمن أن لكُل إنسان دُوره، وعمله الذي يعتز به..

ما كان يشغل قلب نحميا بالأكثر ليس بناء سُور حجري وإقامة متاريس، بل بناء شعب الله وإحياءهُم من حالة الموت التي حطمتهُم، ما شغل قلبه أقام منه قائداً ناضجاً في الرّب، ورجُل صلاة يدخل بصلاته إلى العرش الإلهي، ويغتصب بالإيمان إمكانيات فائقة لا تعرف أنه يُوجد شيء مستحيل أمامها، عرف كيف يُصلّي ويتكلّم مع الله..

من الدرُوس المُستفادة من سفر نحميا الآتي:-
أن يضعنا الله في صحبة غير المُؤمنين بركة لنا ولهُم..
أعظم الأعمال لحســــاب مملكة الله تبدأ بشخص أمين..
القائد الحيّ ينسب خطايا الشـــــــــــــعب وضعفاتهُم لنفسه..
الصـــــــــــــــــــــــــــــــــلاة ملجأ لنا في بدء الطريق وحتى نهايته..
الاعتراف بالخطايا هُو الطـــــــــــــــــــريق للتمتع بمراحم الله..
أفضل الطـــــــــــرق وأقصرها للبلُوغ إلى قلُوب الناس الله..
متى خدمت الله بحُب، قاومك الشيطان وجــــــــــــــــــــــــــــنُوده..
نحميا رجُل صلاة وتقوى، يثق ويتمسك بمــــــــــــــواعيد الله..
يتسم بوضُوح الهدف وعدم الانحراف عنه مُستعد للعمل..
رجُل مثابرة لا يتسلل إليه الإحباط يتمسك دائماً بالرجاء..
قائد مُخطط يدفع الجميع للعمـــل، يُدرك خطُــورة التراجع..
رجل وطني، يُـــــــــــــــــــــــعطي ما لله لله، وما لقيصر لقيصر..
قائد مملُوء حنُواً على الطبقات المظلُومة البائسة اليائسة..
يحمل أثقال الشعب، ولا يُحملهُم أثقاله الشــــــــــــــــــــــــــــــــخصية..

إذ ندرس سفر نحميا، حيثُ نلمس اهتمام الله نفسه بإعادة بناء سُور أورشليم المُنهدم، نلاحظ تكرار كلمات القائد:
هلُم فنبني سُور أورشليم، ولا نكُون بعد عاراً، 

اذكر لي يا إلهي للخير ما عملت لهذا الشعب.. راجع الكتاب المُقدس (نح17:2؛ 19:5)..