بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الشيخ، إلى كيرية المُختارة، وإلى أولادها الذين أنا أحبهُم بالحقّ،
ولست أنا فقط، بل أيضاً جميع الذين قد عرفُوا الحقّ (1)..

كلمة: الشيخ تحمل معنى كاهن وأسقف، لأن الأصل اليُوناني لهما واحد وربما شملت الكلمة معنى الكهنوت مع كبر السن والشيخُوخة..
الذين أنا أحبهم بالحقّ، لقد أحب الراعي هذه السيدة وأولادها بالحقّ أي بالمسيح يسُوع، وبهذا يحمل السيدة وأولادها أن يكُون حبهُم للبشر دافعه الحقّ وليس إرضاءً للناس، رافضين كُل باطل، فهو كراعي أمين يشعر برباط الحُب نحو أولاده خلال الرّب يسوع المسيح وكنيسته..
من أجل الحقّ الذي يثبت فينا وسيكُون معنا إلى الأبد..

هذه هي غاية حُبنا وكرازتنا وكُل عبادتنا، أن نكُون نحنُ وكُل البشرية ثابتين في الله وهُو فينا، لنبقى في أحضانه إلى الأبد، وهذا الثبُوت في الرّب يسُوع المسيح يتطلب نعمة الله ورحمته..

تكُون معكُم نعمةٌ ورحمةٌ وسلامٌ من الله الآب،

ومن الرّب يسُوع المسيح، ابن الآب بالحقّ والمحبة..

الذي يسندنا في ثبوتنا في الرّب وجهادنا، نعمة الله المجانية التي هي ينبُوع الحُب الإلهي تجاه الخطاة، بدُونها مَن يقدر أن يخلص ويثبت؟!
رحمة الله إذ يفيض الرّب بنعمته علينا نحنُ الخطاة، نُدرك مراحم الله التي لا تحصى، المُعلنة على الصليب فنطلب من الله بدالة..
السلام وهي العطية التي نزعتها الخطية، إذ حجبتنا عن الله سلامنا، لكن الرّب أعاده لنا (يو27:14)، سلاماً داخلياً به تعيش النفس مع مصدر حياتها فلا يستطيع الشيطان ولا التجارب، ولا شيء ما أن ينزعه منا..

مصدر هذه النعمة والرحمة والسلام هُو: الله الآب والرّب يسُوع..
من الله الآب ومن الرّب يسُوع المسيح..

ظن البعض وجود إلهين: إله العهد القديم عادل جبار يقسُو على الخطاة ويبيدهُم، وإله العهد الجديد طيب حنُون يترفق بالخطاة، لكن ما يُؤكده هنا الرسُول أن الرّب يسُوع ابن الآب بالحقّ والمحبة، الابن الوحيد الحبيب موضُوع سرُور الآب، فإن كانت النعمة والرحمة والسلام قد تمتعنا بهم خلال الصليب، فإن ما بذله الابن إنما من قبيل حب الآب، إذ هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، فحب الأب هُو نفسه حب الابن الذي دفع به أن يُقدم ذاته عنا ويُخلصنا بدمه، أنظر (يو16:3؛ أف2:5)..

لقد بذل الآب ابنه، وبذل الابن ذاته وخلصنا بدمه، وموضُوع الاختيار أي الابن هُو الذي يبذل ذاته، وهُنا يظهر وحدة الحُب الإلهي..
فرحت جداً لأني وجدت من أولادك بعضاً سالكين في الحقّ،
والآن أطلب منكِ يا كيرية، لا كأني أكتب إليكِ وصيةً جديدةً،
بل التي كانت عندنا من البدء: أن يُحب بعضنا بعضاً..

هُنا نلاحظ أن الرسُول يبدأ بالحديث عن الأمُور المُفرحة بالنسبة لبعض أولادها ليشجعها هي وأولادها حتى تكمل فرحة قلبه وقلب الكنيسة بتنفيذ الوصايا، ويظهر حكمة الرعاة في تصرفاتهُم مع أولادهم..

أما عن وصية المحبة، فهي ليست بجديدة من حيثُ معرفة الإنسان بها وهذه الوصية تعتمد على محبتنا لله المُؤسسة على طاعتنا له في تنفيذ وصاياه، هذه هي المحبة، أن نسلك بحسب وصاياه..

إذ نطيع الوصية ونسلك فيها يتسع قلبنا بالحُب لله ولإخوتنا، فإننا بالحُب أيضاً يتسع قلبنا لطاعة الوصية، وهكذا كُل منهما تدفع الأخرى..
هذه هي الوصية، كما سمعتُم من البدء أن تسلُكُوا فيها..  
أي المحبّة، لأنه بالمحّبة يكمل النامُوس وننفذ ما هُو حقّ، وهذا الحُب ينبغي أن يكُون مرتبطاً بالحقّ، فلا تطلب الوحدة بين المسيحيين تحت ستار الحُب دُون أن تكُون هُناك وحدة في الإيمان، وعُودة إلى الكنيسة الأولى أي عُودة إلى الحقّ، لأننا لا نطلب المظهر الخارجي، بل تلاقي كُل نفس في البشرية مع الحقّ، تلاقي العرُوس بالعريس السماوي..

لأنه قد دخل إلى العالم مُضلون كثيرُون،
لا يعترفُون بيسُوع المسيح آتياً في الجسد،
هذا هُو المُضل، والضدّ للمسيح..

يربط الرسُول الحُب بالحقّ والتمييز والحكمة، فالحُب إذ هُو تنفيذ وصية الله، لهذا لا يليق بنا أن نقبل المعلمين الكذبة، الذين يتسترُون تحت اسم المسيح ليعلّمُونا بغير ما هُو حقّ، إذ يحاولُون أن يلتقُوا بالبسطاء ويخدعُوهُم تحت اسم المحّبة، فيجب أن نعزل أمثال هُؤلاء الناس من عضُوية الكنيسة حتى لا يكُونُوا عوامل إفساد بالنسبة للحملان والحمام الذي في الكنيسة الله فيسود اللطف والرقة والوداعة بين الإخوة الحملان الوديعة..
كُل مَن تعدّى ولم يثبت في تعليم المسيح فليس له الله،
ومَن يثبت في تعليم المسيح، فهذا له الآب والابن جميعاً..

طالب الرّب كنيسته أن تحب الجميع، لكن يلزمها أن تحذر ممن يدعُون أنهُم أولادها، وهُم ذئاب يفسدُون إيمان البسطاء، هُؤلاء يُبلبلُون أفكارهُم ويُشككُونهُم في إيمانهُم، ويُفسدُون جهادهُم..

إن كان أحدٌ يأتيكُم، ولا يجيء بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت،
ولا تقُولوا له سلامٌ، لأن مَن يُسلّم عليه يشترك في أعماله الشرّيرة.. 
يطلب بحزم ألا نقبل مَن يدعي الإرشاد ويأتي كمعلّم بغير الحقّ، بل ولا نُسلّم عليه حتى لا نشترك معه في خطف النفُوس البسيطة من الحظيرة..
إذ كان لي كثير لأكتُب إليكُم، لم أرد أن يكُون بورقٍ وحبرٍ،

لأني أرجو أن آتي إليكُم وأتكلّم فماً لفمٍ، لكي يكُون فرحنا كاملاً،
يُسلّم عليكِ أولاد أختكِ المُختارة. آمين.

يلاحظ أن هناك أموراً لا تُكتب على ورق نطق بها الرسل لأولادهُم وقد تسلمتها الأجيال جيلاً بعد جيل، وهذا لم يحدث فقط بالنسبة ليُوحنا الرسُول بل ومع بُولس الرسُول حيثُ ترك تيطس لكي يُرتب الأمُور الناقصة، ويقيم في الكنيسة شيُوخاً (تي5:1)، هذا ما تسلمناه بالتقليد السليم.