كمال زاخر
توطئة:
تتبعت بقدر أحسبه قريباً أحوال كنيستي القبطية الأرثوذكسية واشتبكت مع قضاياها واشكالياتها المعاشة، في المجال العام وفي داخل أسوارها، بامتداد ثلاثة عقود، باحثاً ومشاركاً وساعياً لطرح رؤية لتفكيك تلك الإشكاليات، وطرح مداخل للخروج بها إلى براح دعوتها ورسالتها، كصوت صارخ في برية العالم القاحلة، راعية وكارزة ومعلنة نور المسيح ودعوته لجميع المتعبين والباحثين عن ملاذ يحمي انسانيتهم.
ويبدو أنني بغير انتباه، أو قصد، دخلت "أعشاش" دبابير، أرقهم دخولي وهدد ما استقر عندهم من رؤى وهو استقرار أحسبه جمودا، ومصالح استقرت لهم، وتحقق اخفقوا في الوصول إليه في المجال العام. فإذا بأسرابهم تهاجمني وتشخصن اطروحاتي بل وتمتد إلى تشويه ينال من سيرتي وشخصي بالمخالفة للواقع وبالمخالفة لما يزعمونه من حماية الإيمان، والذي جاء خلواً من ثماره المستقرة بحسب القديس بولس الرسول "مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ" (غلاطية 5 : 22)، وفي كل هذا لم انازلهم في ميدانهم الذي يتحصنون به، ولم التفت يوما إلى ضجيجهم، ووثقت اطروحاتي، حتى اللحظة، في أربعة كتب ، على أمل أن تصادف يوماً أجيالاً واعدة لا تربط عربتها بحصان شخوص، وتبني وعيها على الأسس التي رصدها القديس بولس "مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ." (أفسس 2: 20 ـ 22).
واتذكر عندما كنت طالباً بالمرحلة الثانوية ما استقر في علوم الفيزياء "أن المادة لا تفني ولا تستحدث من عدم" وهو ما ينطبق على الاشكاليات الكنسية المعاشة، إذ لها جذور ممتدة بامتداد تاريخ الكنيسة، وهي ممتدة مع الزمن القادم، إتساعاً وانحساراً، بقدر انتباه الكنيسة لها ولتفكيكها وقراءة التطورات الجيلية وامتداد مجالها إلى خارج مصر بما يحمله من اشتباك مع ثقافات وأجيال مختلفة تمثل تحديات مستجدة تتطلب قراءة واعية لها حتى تستطيع الوصول برسالتها لهم، وهو نفس الأمر المطلوب مع الكنيسة بالداخل، حتى لا نتفاجأ يوما بما يؤرق سلام ووحدة الكنيسة وثمة مؤشرات تقول بأن هناك ما ينذر بذلك، خاصة في كنائس المهجر، وفي الحالين على الكنيسة فيما يتعلق بمسائل التدبير أن تدرك أن المفاتيح القديمة لا تفتح الأبواب الجديدة.
في طرحي هذا وعلى امتداد جزأين، قادمين، أحاول قراءة واقعنا الكنسي بتجرد كامل، باحثاً في الجذور التي شكلته، بامتداد التاريخ، سواء كنسية أو عامة، والتحولات التي حدثت للأقباط، واتوقف ملياً عند اربعينيات القرن العشرين بما تحمله من تغيرات عاصفة واجتهادات لرأب الصدع، كما في السياسة كذلك في الكنيسة، في مواجهة تلك التغيرات، وما طرأ على التيارات الإصلاحية من تحولات بين التوافق والتضاد، بغير أن نحاكم شخوصها، فثمة مدخلات تتجاوزهم شكلت المشهد المعاش.





