خالد منتصر
إغلاق صالون «علمانيون» لم يكن المفاجأة، بل المفاجأة الأكبر فى رد فعل الشيخ الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف الأسبق، على الغلق، فقد قال الشيخ الذى كان يقدم نفسه وقت الوزارة على أنه إمام الوسطية ورمز التسامح والاستنارة، معلقًا على الخبر: «كل من يعمل ضد شرعة الله عز وجل ينفق أمواله على محاربة دين الله ثم يكون ذلك عليهم حسرة وعاقبة أمرهم خسرا».
واعذرنى شيخنا الفاضل الجليل، فقد كنت أراهن على أن هناك بعض المنتمين للمؤسسة الدينية، وفضيلتكم منهم، قد تخلصتم من هذه الصورة المشوهة للعلمانية، التى أراها قد تأثرت بالتيار السلفى الذى قال أحد شيوخه ورموزه بأنها: «إن أمك تقلع الحجاب»!!.
ما زلت يا د. مختار تعيش خرافة أن العلمانية هى الإلحاد، وأنها إفراز صهيونى ماسونى همايونى... إلخ، وأن العلمانى هو يوسف وهبى فى فيلم «سفير جهنم»، لكى تحرقه، تمتم فقط باسم الله، سيصاب العلمانى بهلع وسكتة قلبية، ويصير رمادًا!!
هذه الصور العجيبة التى رسمتموها وصدقتموها هى من قبيل الخرافات والأساطير التى تنتمى لحكايات أمنا الغولة وقصص أبو رجل مسلوخة.
العلمانية يا سيدى هى اتحاد لا إلحاد، اتحاد للشظايا الاجتماعية وتوحيدها فى سبيكة وطنية مدنية، عناصرها الأولى المواطنة والقانون، لا الدين ولا الجنس ولا اللون... إلخ.
اتحاد لا إلحاد، وكل ما نطلبه من سيادتكم وفضيلتكم ومعاليكم أن تقرأ مجرد قراءة عن العلمانية، وتتعرف عن قرب على تجاربها، التى تنعم الآن ببعض من آثارها التى تركتها ودشنتها الليبرالية المصرية القديمة.
وأعطى فضيلتكم بعض الأمثلة، فلولا العلمانية مثلًا لما وجدت محكمة استئناف ونقض ودرجات التقاضى التى تعتمد على القانون الفرنسى، والتى لولاها لعشنا أحكام داعش التى تقضى بالإعدام من أول درجة وبدون استئناف وطبقًا للشريعة.
ولولاها، فضيلة الدكتور المبجل، لكنت الآن تسمع بجانب بيتك أصوات تاجر سوق النخاسة والسبايا والجوارى، ينادى بالميكروفون متحدثًا عن أفضال البضاعة المعروضة، وصفات وتسعيرة بنات الأصفر ونساء الفرس والروم والأحباش... إلخ، اللاتى لولا القانون العلمانى ومواثيق الأمم المتحدة واستجابة الخديوى، التى كانت ضد رغبة رجال الدين وقتها، لكانت تلك النسوة فى الحرملك حتى هذه اللحظة.
ولولا العلمانية لكنا حتى هذه اللحظة نطبق مبدأ الولاء والبراء الذى نال عنه الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن رسالة الدكتوراه، ونشر من خلال هذا المبدأ فتواه باضطهاد الأقباط وسرقة محلاتهم بالطريق الشرعى الحلال من وجهة نظره غير العلمانية!!
هذه مجرد أمثلة يا فضيلة الشيخ، يا من أرسلت لشخصى الضعيف ولغيرى من الكتاب والصحفيين مجموعة كتبك التى تدعو للتسامح والتعايش واحترام الدولة المدنية ومناهضة الفكر السلفى.
لكن من الواضح أن لكل وقت «أذان»، كما يقول المثل الشعبى.
الإلحاد، فضيلة الشيخ الأزهرى المحترم، هو موقف فلسفى أو شخصى يتعلق بالإيمان، ويعنى عدم الاعتقاد بوجود إله أو آلهة، لكن العلمانية مبدأ سياسى وقانونى يتعلق بكيفية إدارة الدولة للمجتمع، ويقوم على حياد الدولة تجاه الأديان والمعتقدات المختلفة.
لذلك يمكن أن يكون الشخص متدينًا وعلمانيًا، أو ملحدًا وعلمانيًا، بدون أن تكون العلمانية والإلحاد توأمًا ملتصقًا أو ارتباطًا شرطيًا.
ويوجد يا د. مختار كثير من الشخصيات الدينية دعمت العلمانية لأنها رأت فيها حماية لحرية الدين، مثل جون لوك الذى دافع عن التسامح الدينى.
كما أن أحزابًا ذات مرجعية دينية شاركت فى أنظمة علمانية فى دول عديدة.
وفى المقابل، توجد أنظمة شيوعية ملحدة تاريخيًا مثل الاتحاد السوفيتى مارست قيودًا على الأديان، ولم يكن ذلك ناتجًا عن العلمانية بالمعنى الليبرالى، بل عن تبنى الدولة لأيديولوجية رسمية معادية للدين.
الإلحاد يجيب عن سؤال: هل أؤمن بوجود إله؟
أما العلمانية فتجيب عن سؤال: كيف ينبغى أن تُدار الدولة فى مجتمع يضم مؤمنين وغير مؤمنين وأتباع أديان مختلفة؟
لذلك ليس صحيحًا أن كل علمانى ملحد، ولا أن كل ملحد علمانى.
العلاقة بين المفهومين ليست علاقة تطابق، بل يتناول كل منهما موضوعًا مختلفًا تمامًا، وينطلق من أرضية مغايرة أصلًا.
القضية: كيف تدير دولة، أو تنظم شؤون وطن، فيه المسلم السنى والشيعى، وفيه المسيحى الأرثوذكسى والبروتستانتى والكاثوليكى، وفيه البهائى، وفيه الملحد واللادينى؟
عليك احترامهم جميعًا كمواطنين، لا رعايا أو أتباع أو أفراد قبيلة أو تنظيم أو طائفة.
يا دكتور مختار، من فجر السبعين كنيسة وقتل المصلين فى مسجد سيناء، وفجر الكمائن، وذبح الجنود والضباط، ليس شباب «علمانيون»، ولا أتباع كانط، ولا قراء فرج فودة أو القمنى، لكنهم للأسف شباب الجماعات الإسلامية المتطرفة، وأتباع ابن تيمية، وقراء «معالم فى الطريق» و«الفريضة الغائبة».
وإذا وجدت معلومة غير ذلك، أرجوك بصّرنى بها، وصحح معلوماتى.
كل التحية لفضيلتكم.
نقلا عن المصرى اليوم





