دكتور مهندس/ ماهر عزيز 
29 مايو 2026

أولا  :  الكنيسة الكاثوليكية
تمنع الكنيسة الكاثوليكية "الطلاق المصحوب بإمكانية الزواج مرة أخرى" منعا باتا، وهذا المنع البات ليس لأن الكنيسة قد منعت فصم الحياة الزوجية نهائياً، ولكن لأنها ترى الزواج سرّا مقدسا لا ينحل البتة، وهذه الرؤية نبعت من جوهرين رئيسيين :

1 -   الأصل الكتابي- اللاهوتي :
صدر هذا الأصل مباشرة من كلمات السيد  المسيح في الأناجيل الإزائية، وكلمات القديس  بولس الرسول في الرسالة إلي رومية :
*  انجيل متى 19: 4-6 :  

"أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟... إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ".

*  إنجيل مرقس 10 : 9-12 :  
"فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ... مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا"

*  إنجيل لوقا 16 : 18 :  
"كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُلٍ يَزْنِي".

*  الرسالة إلي أهل رومية 7 : 2-3 :  
"الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. فَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ مُحَرَّرَةٌ مِنَ النَّامُوسِ"
وتؤمن الكنيسة الكاثوليكية بأن هذه النصوص مطلقة دون استثناء.

وقد فهمت الكنيسة الكاثوليكية هذه النصوص بوصف الزواج مقدسا بين معمَّدَين كونه "رباطا غير قابل للحل"، والفكرة الأساسية هي أن الزواج يماثل علاقة المسيح بالكنيسة، وهي علاقة أبدية لا تنفصم، ولذلك يكون الزواج أحد أسرار الكنيسة السبعة.

وقد حدا ذلك "بمجمع ترنت" خلال الفترة :  1545- 1563 أن يعلن رسمياً أنه :  "إذا قال أحد إن الرابطة الزوجية يمكن أن تُحل بسبب الزنا، فليكن محروماً".

2 -   الأصل التاريخي :
*  قبل المسيحية :  كانت اليهودية في مطلع  القرن الأول تسمح بالطلاق حسب شريعة موسى في سفر التثنية 24 : 1، بينما كان الطلاق لدي الرومان إجراء مدنيا عاديا أيسر بكثير من شريعة موسي.

*  القرون الأولى :  تبنت الكنيسة الأولى موقفاً متشدداً ضد الطلاق، متأثرة بكلام المسيح، فكانت تسمح بـ "الانفصال الجسدي" دون الزواج الثاني.

*  العصور الوسطى :  رسخ القانون الكنسي الغربي المبدأ ذاته، معتبرا أي زواج صحيح بين معمَّدَين غير قابل للحل، ولو حصل طلاق مدني، يظل الشخصان متزوجين كنسياً، وممنوعين من الزواج الكنسي مرة تانية.

*  ثورة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر :  سمح مارتن لوثر وكالفن بالطلاق والزواج التاني في حالات الزنا والهجر، لكن الكنيسة الكاثوليكية سرعان ما شددت في "مجمع ترنت" على عدم انحلال الزواج.

3 -   الاستثناءات الموجودة حالياً :   
لا تسمح   الكنيسة الكاثوليكية بالطلاق، ولكن لديها استثناءات ثلاثة :
-  إعلان بطلان الزواج Annulment :  في حالة ثبوت أن الزواج منذ البداية كان باطلاً -  بسبب عدم الأهلية، أو الإكراه، أو انعدام النية الصالحة كأمثلة - والكنيسة تقول عندئذ :  "إنه لم يكن زواجاً أصلاً".
-  الانفصال القانوني Separation :   ومسموح به حال وجود عنف أو خطر، ولكن دون سماح بزواج جديد.
-  امتياز بولس وبطرس :  لفك رابطة الزواج في حالات نادرة في ظروف معينة تاريخياً.

وإذا سألنا :  لماذا ظل هذا الموقف هكذا ؟
نجيب :  بأن السبب يكمن في أن الكنيسة الكاثوليكية تري الزواج بوصفه ليس مجرد عقد مدني يمكن إلغاؤه، لكنه عهد مقدس، وأي تغيير هو في جوهره تغيير لفهم الكنيسة الكاثوليكية للنصوص الإنجيلية نفسها.
وهذا الموقف يختلف عن الكنيسة الأرثوذكسية التي تسمح بالطلاق والزواج التاني مرة أو مرتين لأسباب كتابية، كما يختلف عن الكنيسة البروتستانتية التي غالباً ماتسمح بالطلاق.

وهكذا يتلخص موقف الكنيسة الكاثوليكية فيما يلي :
*  المبدأ :  الزواج سر مقدس بين معمَّدَين،  ولذلك هو رباط غير قابل للحل،  ف "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان".
*  الطلاق المدني :   مسموح قانونيًا بالانفصال الجسدي وحماية الطرفين، لكنه لا يحل الرابطة الكنسية.
*  الزواج مرة أخرى :   ممنوع كنسيًا لو الطرف الثاني عائش،  ولو تزوج تاني يعتبر زنا ولا يقدر يتناول الأسرار.
*  الاستثناء :   إعلان البطلان _ Annulment _ لو ثبت أن الزواج كان باطلا من البداية بسبب خلل في الشروط.
والسبب  في ذلك هو الاستناد  لكلمات السيد المسيح في متى 19: 6،  ومرقس 10: 9،  باعتبار الزواج صورة لعلاقة المسيح بالكنيسة.

ثانيا  :   الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية :

1 -   الأصل الكتابي - اللاهوتي :

تقول الكنيسة الأرثوذكسية باستثناء واحد للطلاق كما يتضح في الآيات التالية :
*  إنجيل متى 19: 9 :  

"وَأَقُولُ لَكُمْ : إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي"
والتعبير "إلا بسبب الزنا" _ parektos logou porneias _ هي محور الخلاف،  تفسرها الكنيسة الكاثوليكية :  "إلا لو كان الزواج باطلا أصلاً"، وتفسرها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية  (والبروتستانتية أيضا) :  "إلا لو حصل زنا".
*  الرسالة الأولي إلي كورنثوس 7: 15 :  
"وَإِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، بَلْ قَدْ دَعَانَا اللهُ فِي السَّلاَمِ"
ويسمي حكم هذه الآية :  "امتياز بولس"، وتستخدمها الكنيسة الأرثوذكسية (والبروتستانتية) للطلاق في حالة هجر غير المؤمن.

2 -   الأصل العقيدي :
*  المبدأ :   الزواج مقدس لكنه ليس مطلقا، والهدف الأساسي هو وحدة الزوجين، فلو الوحدة انكسرت الوحدة تتدخل الكنيسة .
*  الطلاق الكنسي :   مسموح به في حالات محددة كالزنا، والهجر، والعنف، والجنون، والغياب الطويل، إلخ.   وكل حالة تعرض على الأسقف لبحثها في المجلس الإكليريكي وإصدار قرار بشأنها.
*  الزواج مرة أخرى :   مسموح به بعد الطلاق، عادة لمرة واحدة أو مرتين كحد أقصى، وطقس الزواج الثاني أبسط من الأول ويتضمن صلاة للتوبة.
والسبب في ذلك أن الكنيسة الأرثوذكسية تجمع  بين كلمات السيد المسيح عن : "إلا لعلة الزنا" (متى 19: 9)، ومبدأ التدبير الاقتصادي والرحمةالرعوية _ oikonomia _ ، الذي يعني أن الكنيسة تفضل السماح بالطلاق بديلا عن ترك الناس في خطية مستمرة.

ثالثا   :   الكنيسة الإنجيلية/البروتستانتية :

1 -   الأصل الكتابي - اللاهوتي  :

*  إنجيل متى 19: 9 :  
"وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي"
وكما في البند "ثانيا" الكلمة "إلا بسبب الزنا" _ parektos logou porneias _ هي محور الخلاف؛   تفسرها الكنيسة الكاثوليكية :  "إلا لو كان الزواج باطل أصلاً"، وتفسرها الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الإنجيلية/البروتستانتية : "إلا لو حصل زنا".

*  الرسالة الأولي إلي كورنثوس 7: 15 :  
"وَإِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، بَلْ قَدْ دَعَانَا اللهُ فِي السَّلاَمِ"
وتسمي هذه الآية "امتياز بولس"، وتستخدمها الكنيستان الإنجيلية والأرثوذكسية للطلاق في حالة هجر غير المؤمن.

2 -   الأصل العقيدي :
ليست الكنيسة الإنجيلية/البروتستانتية كنيسة واحدة بل عدة طوائف داخل الكنيسة الواحدة، ولذا يختلف الموقف العقيدي من طائفة لأخري، لكن القاسم المشترك الأعظم يتمثل في أنها ترفض جميعها فكرة "السر المقدس غير القابل للحل"، الذي تعتنقه الكنيسة الكاثوليكية، وأهم هذه الطوائف الإنجيلية/ البروتستانتية هي :

1 -   البروتستانت التقليديون (اللوثريون)  والإنجليكانيون (المشيخيون)  :
*  المبدأ :  الزواج عقد مقدس لكنه ليس سرا بمعنى لا ينحل، والهدف الأساسي هو خير الزوجين والأسرة.
*  الطلاق :  مسموح به في حالات واضحة، أهمها الزنا والهجر بحسب تفسيرهم للقديس متى 19: 9، وتفسيرهم أيضا للقديس بولس في الرسالة الأولي لأهل كورنثوس 7: 15.
*  الزواج مرة أخرى :  مسموح به للطرف  البريء، وفي بعض الكنائس مسموح به للطرفين بعد فترة توبة.
والسبب في ذلك يكمن في رجوعهم  للنصوص التي تذكر الاستثناء في : "إلا لعلة الزنا"، ويفسرونها بأن السيد المسيح كان يرد على الفهم المتساهل للطلاق عند اليهود، ولا يمنعه نهائيًا.

2 -   الإنجيليون والمعمدانيون :
ينظر إلي موقفهم بأنه متشدد نسبيًا، لأنهم يعتبرون الطلاق في حد ذاته خطية، لكنها خطية ليست غير قابلة للغفران.
*  الطلاق :  مسموح به للزنا والهجر والمعاملة الجائرة (الوحشية)، وتضيف بعض الكنائس الإدمان والإساءة النفسية.
*  الزواج مرة أخرى :  مسموح به للطرف البريء، أما زواج الطرف المُذنب فعليه خلاف، حيث تمنعه كنائس كثيرة لفترة طويلة، والسبب في ذلك هو التشديد على قدسية العهد الزوجي، ولكن مع مراعاة أن الله يغفر ويجدد.

3 -   الطوائف الليبرالية ( الكنيسة المتحدة والميثودست التقدميون )  :
ينظر إلي موقفهم بوصفه متساهلا جدًا، حيث  الطلاق قرار شخصي مؤلم لكنه من الممكن أن  يكون قرارا صحيا.
*  الطلاق :  مسموح به لأي سبب يعتبر "انهيارا لا رجعة فيه للزواج".
*  الزواج مرة أخرى :  مسموح به دون قيود تقريبًا، ويتم في الكنيسة بنفس طقس الزواج الأول، وسبب ذلك أنهم يركزون على النعمة والرحمة وتفسير النصوص الكتابية وفق سياقها التاريخي.

رابعا  :   النقد الكتابي

بادئ ذي بدء لابد أن نؤكد بأن الزواج هو الأصل الأول للوجود البشري منذ رأي الله أن "ليس جيدا أن يكون آدم وحده" (سفر التكوين 2: 18) فصنع له  "معينا نظيره" من داخل كيانه الذاتي لتكون واحدا معه، "وباركهم الله وقال لهم : "أثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها" (تكوين 1: 28)، "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا" (تكوين 2: 24) ..

الوجود البشري إذن في جوهره "رجل وامرأة" متحدان "جسدا واحدا"، وهذه الرابطة هكذا قدسها الله جل جلاله ووضع لها قانونها الأبدي "جسدا واحدا" "بالبركة باركه" ليس فيه ثم انفصام، وقد تجلت هذه القدسية في التشبيه الكتابي لارتباط السيد المسيح بجماعة المؤمنين كارتباط الزوج بزوجته، ولم يوجد أرفع منه اتحاد ليشبه به اتحاد المسيح بالكنيسة.

وعلي ذلك فالحديث عن الطلاق هو حديث استثنائي جدا، لأجل حالات استثنائية جدا، تنفصم فيها عري علاقة الزواج، ما يجب أن يتأكد للجميع بأننا نهتم هنا فقط بالتشريع لعدد محدود جدا في المجتمع المسيحي، لأجل الحق والعدل الذي أسسه الله لكل فعل سليم وناجح في هذه الحياة.

فإذا امتحنا موقف كل كنيسة من الطلاق لابد أن يستلفتنا بشدة فهم الكنيسة الكاثوليكية لآيات الطلاق في الكتاب المقدس، إذ يبدو لنا من التشدد المطلق للكنيسة الكاثوليكية في رفض الطلاق أنها أخفقت في الفهم الكتابي الصحيح، وأتعست تلك الفئة الاستثنائية في المجتمع المسيحي الكاثوليكي بالظلم الذي يلزم اثنين تستحيل العشرة بينهما بالبقاء معا في أتون العذاب، أو بالافتراق وحيدين بلا حيلة ولا حياة حتي الموت، ما يعاند العدل الإلهي ورحمة يسوع،  علي أن هذا التشدد التاريخي فضلا عما يحمله من بقايا استبداد الكنيسة الكاثوليكية  في عصور السيطرة والسلطان الديني والدنيوي،  والزعامة الدينية والدنيوية، فإنه يستهين بالنسبية التي تعصف بالوجود البشري، وتنحرف  في حالات غير قليلة ب"ما جمعه الله"، إلي "ما جمعه الإنسان"، ما يوجب الطلاق حتما في حالات خيانة عهد الزواج كما أسسه الله.

وأري أن الكنيسة الكاثوليكية يتعين عليها أن تستلهم العدل الإلهي ورحمة يسوع في المجمع الفاتيكاني القادم، فتبحث حالات الطلاق الوجوبي اللازمة وفقا لما يقترفه المسيحيون من خيانات سافرة لعهد الزواج.

وبينما يبدو موقف الكنيسة الأرثوذكسية أقل تشددا، يسمح بالطلاق في حالة وقوع خطيئة الزني من أحد الطرفين، ويسمح كذلك بالطلاق في حالات خيانة عهد الزواج بالغش، والمعاملة الوحشية، والغياب الطويل، وحالات محدودة أخري يستحيل أن يستمر الزواج حال حدوثها، فإنها قد تحجرت علي مدي 55 عاما مضت عند شعار أخرق منحول من أشهر آيات الطلاق، يقول بأن "لا طلاق إلا لعلة الزني"، والمذهل أن البابا الذي رفعه كجزء من إحكام قبضة الإكليروس الهائلة علي الشعب القبطي المسكين، لم يطبقه البتة في حالات طلاق لغير العلة أجراها للمقربين كسكرتيرته الخاصة، أو للمشاهير كفنانة مشهورة مقربة، التي منحها الزواج الثاني أيضا مرتين متتاليتين، كأنما الإنجيل في قبضته يمييله أينما يشاء، ما تسبب - خلال فترة حبريته التي ناهزت حوالي نصف القرن - في خروج حوالي مليون حالة قبطية من الدين المسيحي للحصول علي الطلاق اضطرارا أمام هذه التجارة البخسة بالشعار المنحول.

لكن القبطية الأرثوذكسية لا تزال تحتفظ بهذا الإرث الظالم حتي يصدر القانون الجديد للأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي تدور حوله شبهات باشتماله علي أحكام جائرة تقضي بالحرمان من الزواج الثاني للخاطئ التائب، فضلا عن أحكام أخري متناثرة لا معقولة ضد الكتاب المقدس وضد الانسانية.

ويبدو موقف الكنيسة الإنجيلية/البروتستانتية هو الأكثر عدلا وإنسانية، مع التوصية بالتأكد من  إعلاء المبدأ الكتابي الأعظم  : "ويكونان جسدا واحدا"، بالتحقق من الحالات المستوجبة للطلاق في إطار المفهوم الكتابي وكلمات يسوع.

ملحق :
.معنى كلمة "الزني" في متى 19: 9، لأنها نقطة الخلاف الأساسية بين الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت :

النص اليوناني الأصلي يقول :  

*"εἰ μὴ ἐπὶ πορνείᾳ"* = _ei mē epi porneia_  
وترجمتها الحرفية : "إلا بسبب الزني/الفجور الجنسي" :

1 -   تفسير الكنيسة الكاثوليكية للكلمة :
.تقول الكاثوليكية إن _porneia_ هنا ليس  معناها "زني" بالمعنى العادي، لكن معناها "زواج غير شرعي أصلاً".
وتعليل ذلك كما يلي :
*  في العهد القديم، كلمة _porneia_ كانت تُستخدم أحيانًا للإشارة للزواج المحرم في لاويين 18، مثل زواج المحارم.
*  يفسرون الآية هكذا : "لو اكتشفت أن زواجك باطل من الأساس لأنه كان محرما، تستطيع أن تنفصل".
*  يتفق ذلك مع فكرتهم بأن الزواج الصحيح لا ينحل أبدًا.
*  ولأجل ذلك لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية بالطلاق، لكنها تعترف بـ"إعلان البطلان" لو الزواج كان باطلا منذ البداية.

2 -   تفسير الكنيستين الأرثوذكسية والإنجيلية/البروتستانتية للكلمة :
يقولون بأن _porneia_ معناها "الزني الفعلي بعد الزواج،  أي الخيانة الزوجية.

وتعليل ذلك كما يلي :
*  في سياق العهد الجديد،  الكلمة _porneia_ تُستخدم غالبًا للزني والعلاقات الجنسية خارج الزواج، كما في الرسالة الأولي إلي كورنثوس 6: 18، والرسالة الي غلاطية 5: 19.
*  السيد المسيح كان يرد على الفريسيين الذين  كانوا يسمحون بالطلاق لأي سبب تافه، فهو قد شدّد القاعدة لكنه ترك استثناء واحدا : لو حدث زني،  فإن العهد ينكسر من طرف واحد، والطرف البريء يمكنه أن يطلب الطلاق.
*  تضيف الكنيسة الأرثوذكسية أسبابا أخري غير الزني الجسدي كالهجر والعنف، وتسمي "تدبير رعوي" _oikonomia_.

3-  لماذا يختلف التفسير ؟
يختلف التفسير لثلاث  أسباب رئيسية:

أولا  :  اللغة  :  الكلمة العربية تعني زني، زواج محرم، فجور جنسي بشكل عام.
ثانيا  :  السياق التاريخي :  كان لدي اليهود زمن المسيح مدرستان : مدرسة هليل التي كانت تسمح بالطلاق لأي سبب، ومدرسة شَمّاي التي  كانت تقيده بالزني فقط، والسيد المسيح كان أقرب هنا لمدرسة شَمّاي.
ثالثا  :  اللاهوت :  تري الكنيسة الكاثوليكية أن  الزواج صورة لعلاقة المسيح بالكنيسة، فلا يمكن أن ينحل، بينما تري الكنيستان الأرثوذكسية و الإنجيلية/البروتستانتية الزواج بوصفه عهدا مقدسا بشريا، لو كسره أحد الطرفين يصير الطرف الآخر متحررا منه.
وهكذا الخلاف حول كلمة يونانية واحدة تتكون من سبعة حروف، صنع فارقا بين الكنائس لقرون عديدة خلت، ولا يزال.