بقلم: المستشار نجيب جبرائيل
رئيس الاتحاد المصري لحقوق الإنسان
إن دخول العائلة المقدسة إلى أرض مصر يحمل دلالات روحية عميقة، نترك الحديث عنها للقادة والرموز الدينية، إذ إن لكل مجال أهله والمتخصصين فيه. غير أننا نتناول في هذا المقال الأبعاد التاريخية والثقافية والسياحية والاستثمارية لهذا الحدث الديني الفريد، الذي لم يحظَ حتى الآن بالتسويق اللائق عالميًا.
فالعالم أجمع يعلم أن العائلة المقدسة جاءت إلى مصر هربًا من بطش الملك هيرودس، وعاشت على أرضها متنقلة بين أكثر من سبعة عشر موقعًا ومحطة، من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، لمدة قاربت العامين ونصف العام. وقد أصبحت هذه الرحلة المباركة جزءًا أصيلًا من التاريخ المصري والإنساني.
ولا يفوتنا أن نشيد بجهود الدولة المصرية، وعلى رأسها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الاهتمام بمسار العائلة المقدسة وتحويله إلى مشروع قومي للسياحة الدينية والثقافية، من خلال تطوير المواقع التاريخية، وتحسين البنية التحتية، وإقامة الفنادق، والاهتمام بالمزارات الدينية، فضلًا عن تقديم مشروع قانون خاص بمسارات العائلة المقدسة إلى مجلس النواب.
ومن المعروف أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تشرفت بزيارة العائلة المقدسة وإقامتها على أرضها، وهي ميزة لم تنلها أي دولة أخرى في العالم. وقد دفع ذلك البابا الراحل فرنسيس، بابا الفاتيكان، إلى إيلاء هذا الحدث اهتمامًا خاصًا، حيث تم إدراج مسار العائلة المقدسة في مصر على خريطة الحج والسياحة الدينية العالمية للكاثوليك، الذين يتجاوز عددهم ملياري نسمة حول العالم.
ومن ثم، فإن هذا الحدث لا يمثل قيمة دينية فقط، بل يُعد أيضًا موردًا اقتصاديًا وسياحيًا بالغ الأهمية، إذ يمكن أن يسهم في جذب ملايين السائحين سنويًا، بما يوفر لمصر عائدًا كبيرًا من العملة الصعبة، ويعزز مكانتها كوجهة عالمية للسياحة الدينية والثقافية.
ومن هنا نطرح تساؤلًا مشروعًا:
إذا كانت الدولة المصرية تولي هذا الحدث كل هذا الاهتمام، وتسعى إلى تعظيم الاستفادة منه سياحيًا وثقافيًا وحضاريًا، فلماذا لا يتم اعتبار الأول من يونيو — وهو يوم دخول العائلة المقدسة إلى أرض مصر — عيدًا رسميًا للدولة؟
إننا لا ننظر إلى هذا اليوم من زاوية دينية فحسب، بل باعتباره حدثًا تاريخيًا وحضاريًا وسياحيًا ذا قيمة قومية، لا يقل أهمية عن غيره من الأعياد الوطنية. كما أن اعتماد هذا اليوم عيدًا رسميًا سيبعث برسالة واضحة إلى العالم تؤكد اهتمام مصر بتراثها الديني والإنساني، وحرصها على تعزيز السياحة الدينية وترسيخ قيم التعايش بين الأديان والثقافات والحضارات.
ومصر، عبر تاريخها الطويل، كانت دائمًا نموذجًا حيًا للتسامح والتعايش المشترك، ولا أعتقد أن أي مواطن مصري — مهما كانت ديانته — يمكن أن يتحفظ على الاحتفاء بقدوم العائلة المقدسة إلى أرض مصر، تلك الأرض التي باركها الله، وجاء ذكرها في الكتاب المقدس:
“مبارك شعبي مصر”.
ومن هنا، فإننا نطالب القيادة السياسية، ودولة رئيس مجلس الوزراء، باستكمال هذا الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لمسار العائلة المقدسة، من خلال إدراج الأول من يونيو ضمن الأعياد الوطنية والرسمية في مصر، بما يليق بقيمة هذا الحدث





