د.ماجد عزت إسرائيل
بمناسبة عيد دخول العائلة المقدسة إلى أرض مصر الحبيبة، وهو العيد السنوي الذي تحتفل به الكنيسة في الأول من يونيو من كل عام، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في بعض الشواهد الفنية التي ارتبطت بهذا الحدث الخلاصي الفريد، وفي مقدمتها أيقونة هروب العائلة المقدسة إلى مصر، المنسوبة إلى يوحنا الأرمني، والمحفوظة في السياق الروحي والتاريخي المرتبط بـ دير المحرق. وتمثل هذه الأيقونة نموذجًا مهمًا من نماذج التصوير القبطي في القرن الثامن عشر، ليس فقط من حيث بنيتها الفنية، بل أيضًا من حيث اتصالها المباشر بواحدة من أعمق القضايا في الوجدان القبطي، وهي رحلة العائلة المقدسة وما تركته من أثر في الجغرافيا المقدسة المصرية.
ويُعد يوحنا الأرمني(1720–1786م) من أبرز المصورين الذين عملوا في البيئة القبطية في القرن الثامن عشر. وينتمي إلى الأرمن المهاجرين من بلاد أرمينيا، وقد وُلد في مدينة القدس سنة 1720م، ثم قدم إلى القاهرة مع والده وأخيه صليب نحو سنة 1740م، واستقر في منطقة درب الرسام بقنطرة الموسكي. وفي سنة 1742م تزوج من فريسينية تادرس ميخائيل، وكانت أمها أرمنية وأبوها من أقباط مصر، وأنجبت له أربعة أبناء: أورتين وجرجس ويعقوب، وابنة واحدة اسمها منكشة. وبعد وفاة زوجته الأولى سنة 1770م، تزوج من دميانة جرجس عنبر، غير أنه لم يُرزق منها بأولاد.
وقد اشتهر يوحنا الأرمني بعدة ألقاب، منها: النقاش، والرسام، والمصور، والمقدسي، نسبة إلى القدس التي وفد منها. ولم يقتصر نشاطه على رسم الأيقونات، بل مارس أيضًا الزخرفة والرسوم الجدارية في الكنائس والأديرة، بل وفي بعض منازل الأراخنة. ويبدو واضحًا أنه تأثر بالفنون الأرمنية، وبما شاهده ومارسه من أعمال فنية في مدينة القدس، غير أن هذا التأثر لم يمنعه من الاندماج العميق في البيئة القبطية المصرية.ويبدو أن زواجه من فريسينية، ذات الجذور القبطية الأرمنية المشتركة، قد أسهم في تقريبه من الوجدان القبطي ومن فن الأيقونات القبطية على وجه الخصوص. ومن هنا يمكن فهم تعاونه مع إبراهيم الناسخ (سمعان) في الفترة ما بين 1742م و1755م، وهي شراكة فنية مهمة أثمرت عددًا كبيرًا من الأعمال المشتركة. وقد خلّف الاثنان معًا نحو 33 أيقونة، من بينها أيقونة السيد المسيح الجالس على العرش (البانتوكراتور) بالمتحف القبطي بالقاهرة. أما يوحنا الأرمني بمفرده، فقد ترك ما يقرب من 115 أيقونة، موزعة بين عدد من الكنائس والأديرة، وهو ما يضعه في مكانة متقدمة بين مصوري الأيقونات في القرن الثامن عشر.
ومن بين أعماله المهمة تبرز أيقونة هروب العائلة المقدسة إلى مصر، وهي من أبرز الأيقونات التي تمثل هذا الحدث في الفن القبطي. وقد نُفذت على لوحة خشبية قياسها 88 سم طولًا × 65 سم عرضًا، ورُسمت مباشرة بالألوان الزيتية. ويظهر في تكوينها القديس يوسف النجار ممسكًا بيده اليسرى برأس الحمار، بينما تحمل يده اليمنى عصًا، وتتقدمه السيدة العذراء ممسكة بيد الطفل يسوع، وتحيط برؤوسهم جميعًا هالات تشير إلى قداستهم. كما يظهر ملاك الرب في الركن العلوي من الأيقونة في هيئة إنسان.
وتكشف الأيقونة عن جهد واضح للتعبير عن الحدث في بعده النفسي والروحي، إذ تبدو على الوجوه ملامح القلق والتوتر والحذر، بما يتناسب مع طبيعة مشهد الهروب. غير أن الفنان لم يلتزم دائمًا بالدقة النسبية في الأحجام، إذ يبدو الحمار صغيرًا نسبيًا إذا ما قورن بجسد يوسف النجار، كما يقترب جسد الطفل يسوع من هيئة العذراء على نحو لا يخلو من مبالغة. إلا أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة العمل، بل تكشف عن طبيعة التكوين في بعض الأيقونات القبطية، حيث يتقدم البعد التعبيري والرمزي أحيانًا على الاعتبارات التشريحية الصارمة.
وتزداد أهمية هذه الأيقونة من كونها ترتبط مباشرة بموضوع رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وهو موضوع احتل مكانة محورية في الإيمان القبطي والوجدان الشعبي المصري. فالأيقونة لا تقدم مشهدًا فنيًا مجردًا، بل تمثل وثيقة بصرية تستدعي الرواية الكنسية والمخطوطية الخاصة بالرحلة، وتؤكد حضور هذا الحدث في الذاكرة الدينية والطقسية والفنية معًا.
ويرتبط الحديث عن هذه الأيقونة طبيعيًا بـ دير المحرق، أحد أبرز المواضع التي ارتبطت بإقامة العائلة المقدسة في مصر. فبعد انتقال العائلة إلى قرية مير، التابعة لمركز القوصية بمحافظة أسيوط، ارتحلت إلى جبل قسقام، وهو الموضع الذي شهد أطول مدة أقامتها العائلة المقدسة في مصر، إذ مكثت فيه نحو 185 يومًا. ومن ثم ارتبط هذا الموضع في الوعي القبطي بـ دير السيدة العذراء المعروف بالمحرق، الذي يُعد من أقدس أديرة مصر.
ويقع دير المحرق عند سفح جبل قسقام، على مسافة تقارب 12 كيلومترًا غرب القوصية بمحافظة أسيوط، وعلى نحو 327 كيلومترًا جنوب القاهرة، و48 كيلومترًا شمال أسيوط. وقد اكتسب هذا الدير مكانته الروحية والتاريخية من كونه الموضع الذي أقامت فيه العائلة المقدسة، فضلًا عن كونه واحدًا من أشهر الأديرة القبطية في مصر، بما عُرف به من تاريخ رهباني وإشعاع روحي وسمعة علمية.
وقد عُرف الدير بعدة أسماء، منها دير السيدة العذراء، نسبة إلى إقامة العائلة المقدسة فيه، كما اشتهر باسم دير المحرق، ويرتبط هذا الاسم بما كان يجاوره من موضع لحرق النباتات والحشائش. واشتهر أيضًا باسم دير جبل قسقام، نسبة إلى الجبل والمنطقة المحيطة به، وهي منطقة ارتبطت في المصادر القبطية والتاريخية بتفسيرات لغوية وجغرافية متعددة.
ومن أبرز معالم الدير كنيسة السيدة العذراء الأثرية، التي تُعد، بحسب التقليد الكنسي، الموضع الذي أقامت فيه العائلة المقدسة طوال تلك المدة. وتفيد الرواية الكنسية أن هذا الموضع كان في الأصل بيتًا ريفيًا بسيطًا، وأن الحجر الذي كان يرقد عليه الطفل يسوع صار فيما بعد قرص المذبح في الكنيسة. ولذلك تُنسب إلى هذا المذبح مكانة خاصة جدًا في الوجدان القبطي، وتُربط به نبوة إشعياء:"في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر"(إشعياء 19: 19).وتذكر التقاليد الكنسية أن السيد المسيح جاء مع رسله من السماء ودشن هذا المذبح بنفسه، ولذلك لم يُعد تدشينه مرة أخرى عملًا لازمًا في نظر الكنيسة. كما تحتفل الكنيسة بعيد تدشين هذا المذبح في 6 هاتور / 15 نوفمبر من كل عام، وفقًا لما ورد في السنكسار القبطي.
ولا تقتصر أهمية دير المحرق على الكنيسة الأثرية وحدها، بل يضم أيضًا الحصن الأثري القديم، وكنيسة الملاك ميخائيل، بالإضافة إلى كنائس أخرى، منها كنيسة السيدة العذراء الجديدة المعروفة باسم مارجرجس، المرتبطة بالقمص عبد الملاك الأسيوطي في أواخر القرن الثامن عشر، وكذلك كنيسة السيدة العذراء الجديدة التي تأسست سنة 1940م في رئاسة الأنبا أغابيوس مطران ديروط وصنبو وقسقام.
ومن ثم، فإن أيقونة هروب العائلة المقدسة إلى مصر التي رسمها يوحنا الأرمني لا تُقرأ فقط بوصفها عملًا فنيًا قائمًا بذاته، بل باعتبارها جزءًا من الذاكرة البصرية القبطية المرتبطة بأحد أكثر موضوعات الإيمان المصري المسيحي عمقًا وتأثيرًا، أي رحلة العائلة المقدسة. كما أن اتصالها بـ دير المحرق يمنحها قيمة إضافية، لأنها ترتبط بموضع يُعد من أقدس مواضع الرحلة في الوعي القبطي.
وعليه، فإن دراسة هذه الأيقونة تفتح بابًا أوسع لفهم الفن القبطي في القرن الثامن عشر، وتكشف في الوقت نفسه عن صورة من صور التفاعل الفني بين العنصر الأرمني والبيئة القبطية المصرية. فـ يوحنا الأرمني لم يكن مجرد فنان وافد، بل صار، من خلال إنتاجه واندماجه، واحدًا من أبرز مصوري الأيقونات في مصر، وترك أعمالًا تشهد على أن الفن القبطي ظل قادرًا على استيعاب المؤثرات الوافدة، ثم صهرها في لغة بصرية روحية خاصة به.
وبهذا المعنى، فإن أيقونة هروب العائلة المقدسة إلى مصر لا تمثل فقط شاهدًا فنيًا على رحلة مقدسة، بل تمثل أيضًا وثيقة ثقافية وروحية وتاريخية، تجتمع فيها الذاكرة والإيمان والفن في صورة واحدة، وهي قيمة تزداد عمقًا كلما أُعيد النظر إليها في ضوء مناسبة عيد دخول العائلة المقدسة إلى أرض مصر.





