دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو
«أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ» (إشعياء 55: 1)
هناك سؤال يحتاج كل واحد منا أن يسأله لنفسه بين الحين والآخر، بكل صدق وهدوء: هل ما زلت عطشانًا إلى الله؟ أم أن الأيام ومشغوليات الحياة جعلت هذا الشوق يضعف دون أن أشعر؟
فالحياة الروحية لا تُقاس بكمية المعلومات التي نعرفها، ولا بعدد العظات التي نسمعها، ولا حتى بذكريات اختبارات روحية جميلة عشناها في الماضي. ما يهم حقًا هو حالة القلب اليوم: هل ما زال يشتاق إلى الله؟
هل نستطيع أن نردد مع داود النبي من أعماقنا:
«عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟» (مزمور 42: 2).
العطش الروحي ليس علامة ضعف، بل علامة حياة. فالميت لا يشعر بالعطش، أما القلب الحي فيظل يبحث عن الله ويطلب المزيد منه. والعجيب أن الإنسان كلما اقترب من الرب واختبر محبته أكثر، ازداد احتياجًا إليه، واكتشف أن أعماقه لا يشبعها شيء سواه.
لذلك فإن الخطر الحقيقي ليس في الضعفات التي نتعرض لها أحيانًا، بل في الشعور بالاكتفاء الروحي، عندما يتسلل إلينا إحساس خفي بأننا وصلنا إلى ما يكفينا ولم نعد بحاجة إلى المزيد من الشركة مع الله.
لكن يبقى السؤال المهم: عندما نشعر بالفراغ والعطش، إلى أين نذهب؟
هل نبحث عن الارتواء في الناس؟ أم في النجاح؟ أم في الانشغال الدائم؟ أم في وسائل الترفيه؟ وربما حتى في الخدمة نفسها، بينما نبتعد عن صاحب الخدمة؟
كل هذه الأمور قد تمنحنا راحة مؤقتة، لكنها لا تروي أعماق النفس. وحده الرب هو الينبوع الحقيقي الذي لا ينضب.
لذلك قال الرب يسوع:
«طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ» (متى 5: 6).
وقال أيضًا:
«إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ» (يوحنا 7: 37).
إنها دعوة مفتوحة لكل قلب متعب، ووعد صادق بأن الله لا يترك نفسًا تأتي إليه بإخلاص دون أن يملأها من سلامه وحضوره.
وإن كنت تشعر أن الشوق قد فتر، وأن الصلاة أصبحت ثقيلة، وأن كلمة الله لم تعد تلمس قلبك كما كانت من قبل، فلا تستسلم لهذا الوضع، بل ارفع قلبك إليه وقل:
“يا رب، أعد إلى قلبي عطشه إليك. أحيِ في داخلي الشوق إلى حضرتك، واكسر كل فتور وكل اعتياد أبعدني عنك. اجعلني أطلبك من كل قلبي، لأنك أنت احتياجي الحقيقي، وفيك وحدك الارتواء.





