بقلم: هاني صبري - المحامي 
هناك وجع لا يراه أحد. وجع أن تبذل قلبك كاملًا… ثم تشعر أنك لست الشخص المُفضّل.
 
أن تحاول بكل طاقتك أن تكون محبوبًا… لكن الحب يذهب لشخص آخر.
 
أن تدخل أماكن كثيرة وتشعر أنك موجود بالجسد فقط… بينما روحك واقفة في الخلف، تسأل بصمت:
 
“لماذا لم يتم اختياري؟”
 
بعض الجراح لا تصرخ… لكنها تنزف كل يوم.
 
وجرح “ليئة” كان من هذا النوع.
 
الكتاب المقدس يقول عنها: “ولما رأى الرب أن ليئة مكروهة فتح رحمها.” (تكوين 29: 31)
 
تأمل الكلمة جيدًا: “مكروهة”.كم هي قاسية. لم يقل الكتاب إنها غير محبوبة فقط… بل مكروهة.
 
ليئة كانت تعيش كل يوم بجوار امرأة يراها الجميع أجمل منها.
 
امرأة أُحبّت بسهولة… بينما هي كانت تحاول أن تنتزع الحب انتزاعًا.
 
تخيل شعور امرأة تستيقظ كل صباح وهي تعرف أن قلب زوجها ليس معها.
 
أنها موجودة في البيت… لكنها ليست في القلب.
 
وهذا ليس مجرد تاريخ قديم. هذه حياة كثيرين الآن.
 
هناك من يعيشون وسط الناس لكنهم يشعرون أنهم غير مرئيين. يدخلون العلاقات خائفين من الفشل والاستبدال.
 
يحبون بصدق لكنهم دائمًا يشعرون أن هناك شخصًا آخر “أفضل” منهم.
 
هناك من تعبوا من المقارنة. من الإحساس أنهم النسخة الأقل جمالًا… الأقل نجاحًا… الأقل قبولًا.
حتى صارت أرواحهم مرهقة من محاولة إثبات قيمتهم.
 
لكن أكثر ما يلمس القلب في قصة ليئة… أن الله رأى ما لم يره أحد.
 
يعقوب رأى الشكل.لكن الله رأى القلب المكسور.
 
الناس رأت امرأة غير مُفضّلة. أما الله فرأى أمًّا لنسل الملوك والأنبياء والمسيّا.
 
وهنا تكمن روعة النعمة. الله لا يتحرك بمعايير البشر.
 
البشر يختارون اللامعين. أما الله، فكثيرًا ما يبدأ بالمجروحين.
 
ولهذا قال بولس: “اختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء.” (1 كورنثوس 1: 27)
 
الله يحب أن يدخل إلى الأماكن التي ظن الجميع أنها انتهت. إلى الأشخاص الذين تم وضعهم على الرف. إلى القلوب التي اعتادت أن تسمع: “أنت لست كافيًا”.
 
لأن الله لا يصنع قديسين من الأشخاص الذين لم ينكسروا أبدًا… بل من الذين عرفوا الوجع ثم احتموا فيه.
 
ليئة كانت تصرخ في كل مرة تنجب فيها ابنًا.
 
عندما ولدت رأوبين قالت: “إن الرب قد نظر إلى مذلتي.” (تكوين 29: 32)
 
وعندما ولدت شمعون قالت: “إن الرب قد سمع أني مكروهة.” (تكوين 29: 33)
 
يا إلهي… كم من أشخاص يقرأون هذه الكلمات ويبكون لأنهم يشعرون بها؟
 
“الرب سمع أني مكروه…”
 
كم شخصًا دخل الليل بهذه الجملة؟
كم إنسان ابتسم أمام الناس بينما قلبه يصرخ: “هل أنا غير كافٍ لكي يحبني أحد؟”
لكن الله لم يترك ليئة داخل تعريف الناس لها.
 
وهذا ما يفعله الله دائمًا.
 
الناس يضعون عليك أسماء: فاشل.
 
متأخر. غير محبوب. درجة ثانية.
 
خيار بديل.
 
لكن الله يناديك باسم مختلف تمامًا.
 
في كل مرة كانت ليئة تلد… كانت تتغير روحيًا.
 
في البداية كانت تبحث عن حب يعقوب. لكن شيئًا عميقًا حدث بداخلها مع الوقت.
 
وعندما ولدت يهوذا قالت: “هذه المرة أحمد الرب.” (تكوين 29: 35)
 
لم تعد تقول:“سيحبني زوجي الآن.”
 
بل: “أحمد الرب.”
 
وهنا بدأت الحرية. أخطر شيء يفعله الألم… أنه يجعلك تربط قيمتك بمحبة الناس لك.
 
لكن الشفاء يبدأ عندما تدرك: أنك محبوب من الله حتى لو لم يفهمك البشر.
 
أن قيمتك ليست فيمن اختارك أو تركك. بل في المسيح الذي رآك مستحقًا أن يموت لأجلك.
 
يسوع نفسه اختبر الرفض. “إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله.” (يوحنا 1: 11)
 
هو يعرف شعور أن تكون مرفوضًا.
 
أن تُساء فَهمك. أن تُترك وحدك.
 
ولهذا هو قريب جدًا من القلوب المتعبة.
 
الكتاب المقدس يقول: “قريب هو الرب من المنكسري القلوب.” (مزمور 34: 18)
 
ليس قريبًا من الأقوياء فقط… بل من الذين لم يعودوا قادرين على حمل وجعهم.
 
إن كنت تعيش “موسم ليئة” الآن…
 
إن كنت تشعر أنك دائمًا في الخلف…
 
أنك لم تحصل على ما تمنّيته…
 
أن العمر يمر وأنت ترى الآخرين يعيشون ما حلمت به…
 
فاسمعني جيدًا: الله لا ينسى أحدًا.
 
قد يسمح أن تمر بمواسم صامتة…
 
لكن الصمت ليس غيابًا.
 
يوسف ظن أن البئر نهاية… وكانت بداية القصر.
 
موسى ظن أن البرية ضياع عمر… وكانت مدرسة القيادة.
 
حنة ظنت أن دموعها عار… وكانت تلد نبيًا.
 
والصليب نفسه بدا وكأنه هزيمة… لكنه كان باب القيامة.
 
الله يعمل في الخفاء أكثر مما نتصور.
وأحيانًا… الأماكن التي كسرتك هي نفسها الأماكن التي سيولد منها مجدك.
 
هل تعلم ما أكثر جزء مؤثر في قصة ليئة؟
أن يعقوب في النهاية… دُفن معها. ليس مع راحيل. بل مع ليئة.
 
كأن الله كان يقول للعالم كله: “المرأة التي لم يختارها البشر… كانت داخل اختياري منذ البداية.”
 
يا لروعة تعويضات الله. الله لا يكتب القصص بالطريقة التي يتوقعها الناس. هو يستطيع أن يحوّل سنوات الرفض إلى باب دعوة.
والدموع إلى نضج. والوحدة إلى عمق.
 
والألم إلى رسالة تلمس قلوبًا كثيرة.
 
قد تكون الآن في الكواليس… لكن هذا لا يعني أن حياتك بلا معنى.
 
هناك أشياء مقدسة تتشكل داخلك بصمت.
 
كم من أشخاص ظنوا أن حياتهم توقفت… بينما كانت السماء تجهزهم لشيء أعظم.
 
الله لا يضيع ألمًا عاشه إنسان معه.
 
ولا يهمل قلبًا مكسورًا احتمى به.
 
ولا ينسى شخصًا شعر يومًا أنه غير مُختار.
 
لأن اختيار الله يتجاوز رفض البشر.
 
وفي يد الله… المرفوض يمكن أن يصبح أساسًا. والمخفي يمكن أن يصير نورًا.
 
والمتأخر يمكن أن يحمل أعظم رسالة.
 
فلا تخجل ولا تحتقر موسمك الحالي.. ولا تقارن رحلتك برحلة أحد.
 
ربما أنت لست “راحيل” في عيون الناس… لكن قد تكون “ليئة” التي يخرج منها يهوذا. ويخرج منها التسبيح.
ويخرج منها الوعد. 
 
وفي النهاية…ليس المهم من أُعجب بك أكثر. بل من استخدمه الله ليحمل نوره إلى العالم. لأن الذين يختارهم الله…
 
حتى لو بدأوا مرفوضين… هي بهم الأمر داخل قصة أعظم مما تخيلوا يومًا.