محرر الأقباط متحدون
التقى قداسة البابا اليوم خلال زيارته الرعوية إلى أشيرا رؤساء بلديات ومؤمني مدن وبلدات المنطقة التي تُعرف باسم أرض الحرائق والتي تعاني منذ عقود من تلوث أسفر عن آلام كثيرة.

في إطار زيارته الرعوية إلى أشيرا في مقاطعة كامبانيا الإيطالية الجنوبية، وعقب لقائه الأساقفة والإكليروس والرهبان والراهبات وبعض عائلات ضحايا التلوث البيئي التي تتعرض إليها منذ سنوات المنطقة التي تُعْرف باسم Terra dei fuochi (أرض الحرائق)، التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر قبل ظهر اليوم السبت ٢٣ أيار مايو رؤساء بلديات ومؤمني مدن هذه المنطقة وبلداتها. وفي كلمته إليهم أعرب الأب الأقدس عن سعادته لوجوده معهم وزيارته مجدَّدا هذه المقاطعة، كامبانيا، والتي لا يمكن لأي ظلم أن يمحو جمالها، قال قداسته. وتابع أننا ندرك في الحياة أنه كلما كان الجمال هشا كلما تَطَلب العناية والمسؤولية، وهذا هو المعنى الحقيقي لوجوده هنا اليوم في أشيرا، تثبيت وتشجيع شهقة الكرامة والمسؤولية التي يشعر بها كل قلب نزيه حين تُزهر الحياة بينما يهددها الموت فورا. وأكد البابا أن مَن لديه نعمة الإيمان يعلم أن هذه الشهقة تأتي من الله الخالق الذي يبحث في كل رجل وامرأة عن معاونين في مشاريعه، مشاريع الحياة.

ذكَّر قداسة البابا بعد ذلك بلقائه قبل قليل بعض عائلات ضحايا التلوث الذي جعل هذه المنطقة في العقود الأخيرة تُعرَف بشكل مؤسف باسم أرض الحرائق، وقال قداسته إن هذا التعبير لا يشكل إنصافا للخير المتواجد هنا والذي يقاوم، لكنه تعبير ساهم بدون شك في انتشار الوعي بخطورة الإخلال بالأمانة واللامبالاة اللذين تركا الفسحة للجريمة. وقال الأب الأقدس إنه أراد خلال هذا اللقاء توجيه الشكر إلى الأساقفة والكهنة والشمامسة والراهبات والرهبان والعلمانيين الذين أجابوا على رسالة "كن مسبَّحا"، الرسالة العامة للبابا فرنسيس وعلى دعوته المتواصلة إلى أن نكون كنيسة في خروج، إرسالية وسينودسية، السير معا والتغلب على المرجعية الذاتية والتحلي بجرأة النبوة رغم المقاومة والتهديدات، وهذا ما يطلبه منا الرب وما يحفزه الروح القدس، قال الأب الأقدس.

وواصل البابا لاوُن الرابع عشر أن الحياة موجودة في هذه الأرض وتواجه الموت، كما وهناك أيضا العدالة والتي ستتأكد. وتحدث هنا عن ضرورة اختيار الحياة والتحرر من روابط الموت، كما وأشار إلى أن هناك دائما مصلحة في الاستسلام والحلول الوسط وتأجيل القرارات اللازمة والشُجاعة. وتابع البابا متحدثا أيضا عن أمور مثل القدرية والتذمر وتحميل المسؤولية للآخرين واصفا إياها بأرض لنمو اللاشرعية وبداية لتحجر الضمائر. ولهذا دعا البابا الجميع إلى أن يتحمل كل واحد مسؤوليته، إلى اختيار البر وخدمة الحياة، وأضاف أن الخير العام له الأولوية على تجارة قلة والمصالح الخاصة صغيرة كانت أو كبيرة.

أشار الأب الأقدس بعد ذلك إلى ما دفعت هذه الأرض من ثمن حيث دَفنت الكثير من أبنائها وشهدت معاناة أطفال أبرياء، وشدد على أن قيمة وثقل هذا الألم يفرضان أن نحاول معا أن نكون شهودا لعهد جديد. وقال للحضور إنهم يسيرون نحو زمن نهضة لا زمن نسيان، نحو زمن أفعال أخلاقية وذاكرة فاعلة، وأشار إلى أن هذه هي لحظة نظرة تأملية، إنها اللحظة التي دعت إليها الرسالة العامة "كن مسبَّحا" البشر جميعا، كلٌّ انطلاقا من مسؤوليته. وذكَّر البابا لاوُن الرابع عشر هنا بما كتب سلفه البابا فرنسيس في هذه الوثيقة: "لا يمكن حصر الثقافة الإيكولوجية في سلسلة من الأجوبة العاجلة والجزئية للمشاكل التي تظهر في مجال التدهور البيئي، ونفاذ المخزونات الطبيعية، والتلوث. ينبغي أن تكون هناك نظرة مختلفة، وفكر، وسياسة، ومنهج تعليمي، ونمط حياة وروحانية تستطيع أن تشكل مقاومة في وجه تقدم النموذج التكنوقراطي". وتابع البابا لاوُن الرابع عشر أن هذا النموذج لا يزال يُطرح اليوم على أنه القوي، وهو سبب الكثير من النزاعات والتي هناك خلفها السباق من أجل الاستحواذ على الموارد، ونرى هذا النموذج يقاوم حين يكون كل مَن لديه مسؤوليات سياسية أو مؤسساتية ضعيفا أمام مَن هو أكثر قوة، نجد هذا النموذج في تطور تكنولوجي يسعى إلى أرباح طائلة لقلة وأعمى أمام الأشخاص وعملهم ومستقبلهم. ولهذا، تابع البابا، إن كنا مدعوين إلى تغير فعلى فإن هذا يبدأ من النظرة.

 وواصل البابا لاوُن الرابع عشر مشيرا إلى أن البعض يعتبرون ترك عالم أفضل لأبنائنا قد أصبح طموحا كبيرا جدا، ولكن لا يجوز أن تكون هكذا في المقابل رسالة ترك أبناء وبنات أفضل للعالم، قال قداسته وتحدث عن التزام تربوي ممكن وله أولوية. وتابع مشيرا إلى أننا لا نتحدث فقط عن تربية الشباب بل وأيضا الكبار، الأطفال وأيضا المسنين، المواطنين والحكام، العمال وأرباب العمل، المؤمنين والرعاة. وأضاف أنه لا يزال علينا جميعا أن نتعلم، فلدى كل شخص ما يمكنه أن يعطي ولكن عليه أولّا تعلُّم أن يتلقى، وهذه هي بداية المستقبل، كما باب يُفتح على ما لم نفكر فيه حتى الآن، ما لم نكن نؤمن به ولا نحبه كثيرا. علينا تعلُّم ما الذي يجعلنا جماعة، وبالنسبة للمسيحيين يعني هذا السير مع يسوع وأن نكون في أي عمر تلاميذه بشكل أكبر وأفضل دائما.

أشار قداسة البابا بعد ذلك إلى أن تغيرا حقيقيا في العقلية الاقتصادية والمدنية، وحتى الدينية، هو ما سيبني الخير ويصلح هذه الأرض والكوكب بكامله. وتحدث قداسته عن ضرورة تعزيز وتوسيع التحالف بين الأشخاص والمؤسسات والمنظمات العامة والخاصة، تحالف يعطي ثماره الأولى على الصعيد التربوي والاجتماعي، تحالف لن يواجه فقط ويُضعف التحالفات الإجرامية بل سيربط بشكل إيجابي ويضاعف أفضل القوى والأفكار الكبيرة الموجودة بالفعل في قلوبكم، قال البابا للحضور. وأراد في هذا السياق توجيه الشكر إلى من وصفهم بالرواد الذين كشفوا بالتزامهم الشجاع شرور هذه الأرض ولفتوا الانتباه إلى الواقع المهمَل والمُنكَر. تحدث الأب الأقدس من جهة أخرى عن إدراكنا ضرورة السهر على صحة الخليقة مثل اليقظة على باب البيت وإبعاد ميول السلطة والثراء غير الشرعي المرتبط بالأفعال التي تلوث الأرض والمياه، الهواء والتعايش. وواصل البابا أننا سنطبق خطوة تلو الأخرى اقتصادا أقل فردانية ونظاما أقل استهلاكية، وأضاف: كم من النفايات والهدر والسموم نتجت عن نموذج نمو يبدو وكأنه قد سحرنا تاركا إيانا أكثر مرضا وفقرا. ودعا إلى أن نتعلم أن نكون أغنياء بشكل مختلف، أي أكثر انتباها إلى العلاقات وأكثر ميلا نحو قيمة الخير المشترك، أكثر محبة للأرض، وأكثر امتنانا باستقبالنا ودمجنا لمن يأتي للعيش معنا. وأكد البابا أن انطلاقا من هذا الارتداد يمكن بناء ممارسات جماعة أفضل من خلال أشخاص يُنمون حس الحدود لا الانتهاكات غير المسؤولة. وشدد هنا على أن الكون أكثر قربا من القلب البشري، أي أكثر قربا من الله الذي خلقه، يعني التوق إلى جماعة أكثر شمولا ووحدة، أقل إصابة بالتهميش والاستقطاب. وتحدث الأب الأقدس عن صعوبة هذا الطريق لأنه يبدأ من أنفسنا، وأضاف أن النجاح في تصحيح المسار والعمل بشكل يومي فيما يتعلق بعاداتنا وأحكامنا المسبقة والنظر إلى ما هو أبعد من سياجنا يعني بالفعل اللقاء.

وفي ختام كلمته أشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى تذكير القديس فرنسيس الأسيزي، شفيع إيطاليا، لنا بأن السلام يقوم على العناية بالآخر وعلى الأخوّة. ثم أكد الأب الأقدس أهمية هذه الزيارة بالنسبة له كبابا وختم موكلا الجميع إلى مريم العذراء.