محرر الأقباط متحدون
وصل البابا لاون الرابع عشر صباح اليوم السبت إلى بلدة أشيرا بمحافظة نابولي حيث كانت في استقباله شخصيات كنسية ومدنية يتقدمها أسقف الأبرشية المطران أنتونيو دي دونّا، ورئيس إقليم كامبانيا روبرتو فيكو. بعد مراسم الاستقبال الرسمي توجه الموكب البابوي إلى كاتدرائية القديسة مريم العذراء، حيث كان ينتظر البابا أساقفة كامبانيا وعدد كبير من الكهنة والرهبان والراهبات بالإضافة إلى عائلات ضحايا التلوّث البيئي.

وجه لاون الرابع عشر للحاضرين كلمة قال فيها: أشكر الرب لأنه أتاح لي أن ألتقي بكم، عائدًا إلى كامبانيا بعد أيام قليلة من زيارتي إلى مزار بومبي ومدينة نابولي. أنتم تعلمون أن البابا فرنسيس كان قد رغب في المجيء إلى هنا، إلى ما أصبح يُعرف بحزن باسم "أرض الحرائق"، لكن ذلك لم يكن ممكنًا له. واليوم نريد أن نحقق رغبته، معترفين بالعطية العظيمة التي مثلتها الرسالة العامة "كن مسبحا" بالنسبة للكنيسة في هذه الأرض. إن صرخة الخليقة والفقراء بينكم قد سُمعت هنا بصورة أكثر مأساوية، إنها صرخة تطالب بالارتداد.

لقد جئت أولًا لأجمع دموع الذين فقدوا أحبّاءهم، الذين قُتلوا بسبب التلوث البيئي الذي تسبب به أشخاص ومنظمات بلا ضمير، استطاعوا لفترة طويلة جدًا أن يعملوا بلا عقاب. لكنني هنا أيضًا لأشكر الذين واجهوا الشر بالخير، ولا سيما كنيسة عرفت كيف تتحلى بجرأة التنديد والنبوة، لكي تجمع الشعب في الرجاء. وإذ أعلم أنني أزوركم عشية عيد العنصرة، بحثتُ في الكتاب المقدس عن صفحة تستطيع أن تفسر وتلهم مسيرتكم. فوجدتها في رؤية عظيمة للنبي حزقيال، الذي حمله الرب ليعيش خبرة كان ينبغي أن تصبح لشعب المنفى رسالة قوية عن القيامة. يروي حزقيال قائلاً: "كانت يد الرب عليّ، فأخرجني الرب بالروح وأنزلني في وسط البقعة، وكانت ملآنة عظامًا. وأمرني أن أمرّ عليها من حولها، وإذا بها كثيرة جدًا على وجه البقعة، وإذا هي يابسة جدًا".

تابع البابا يقول: لقد وضع الله الرجل والمرأة في جنة لكي يفلحاها ويحفظاها. كان كل شيء حياةً وجمالًا وخُصبًا. وكانت هذه الأرض قديمًا تُسمّى أيضًا "كامبانيا السعيدة" لأنها كانت قادرة على أن تسحر بخصوبتها ومنتجاتها وثقافتها، كأنها نشيد للحياة. ومع ذلك، ها هو الموت، موت الأرض والإنسان. يمكننا أن نتقمّص ذهول النبي أمام ذلك الامتداد من العظام اليابسة. إننا نتألم بسبب الدمار الذي أفسد نظامًا بيئيًا رائعًا، وأماكن وتواريخ وذكريات. وأمام هذا الواقع يمكن أن يكون هناك موقفان: اللامبالاة أو المسؤولية. وأنتم قد اخترتم المسؤولية، وبمعونة الله بدأتم مسيرة التزام وبحث عن العدالة.

مضى الحبر الاعظم إلى القول: يطرح الرب على حزقيال سؤالًا: "يا ابن الإنسان، أتحيا هذه العظام؟". فقلتُ: "أيها السيد الرب، أنت تعلم". أيها الأحباء، ها إن الله يضع أمامنا أسئلة جديدة توسّع آفاقنا. إنه يعلم أن لدينا قلبًا يبحث عن الحياة ويتوق إلى الأبدية، لكنه كثيرًا ما يؤجلها بسهولة إلى زمن غير محدد وبعيد، إلى عالم آخر لم يأتِ بعد. أما حزقيال، فعليه أن يخدم شعبه، الشعب الموجود، في الوضع الذي هو فيه. وكذلك فإن لكنائسنا رسالةَ أن تجعل كلمة الله تُسمع هنا واليوم. هذه الكلمة تسألنا إن كنا نؤمن بإمكانياتها هي نفسها: إنها كلمة حياة. وإذا كنا نلتقي اليوم نجيب: يا رب، يبدو أن الموت حاضر في كل مكان، ويبدو أن الظلم قد انتصر، وأن الإجرام والفساد واللامبالاة ما زالت تقتل، وأن الخير يبدو يابسًا. ولكن، إذا كنتَ تسألنا: "أتحيا هذه العظام؟"، فإننا نؤمن ونقول: أيها السيد الرب، أنت تعلم، أنت تعلم أننا نستطيع أن ننهض، لأنك أنت نفسك تمسك بأيدينا. أنت تعلم أن صحراءنا يمكن أن تزهر. أنت تعلم كيف تحوّل الحداد إلى فرح.

تابع البابا يقول إن كل هذا أمر ملموس جدًا: إنه وعد بدأ يتحقق بالفعل. لقد أعلن البابا فرنسيس، في الرسالة العامة "كن مسبحا" وبينما كان يندد بمنظومة موت، بوضوحٍ عن البزوغ الصامت للحياة الجديدة. وبعد أن عدّد أوضاعًا بدأ فيها الناس بالفعل ينطلقون معًا ويمنحون العدالة الاجتماعية والبيئية شكلًا جديدًا، كتب يقول: "إن الإنسانية الأصيلة، التي تدعو إلى توليفة جديدة، تبدو وكأنها تسكن وسط الحضارة التكنولوجية، بطريقة تكاد لا تُدرَك".

 أيها الأحباء، مضى البابا قائلا، كونوا شهودًا لهذه "المقاومة العنيدة" التي تتحول إلى ولادة جديدة، هناك حيث يضيء الإنجيل الحياة ويحولها. هذا ما علّمنا إياه المجمع الفاتيكاني الثاني، ولا سيما من خلال الدستور الرعوي "فرح ورجاء". إن الرب يطرح علينا أسئلة جديدة حول كيفية العيش في أحيائنا، وحول الاستعداد للعمل معًا بين الأشخاص والمؤسسات، وحول شغفنا التربوي، والأمانة في العمل، والتوزيع العادل للسلطة والثروات، واحترام الأشخاص وجميع المخلوقات. أيمكن لهذه الأراضي أن تحيا من جديد؟ كونوا أنتم الجواب نفسه: جماعة متحدة في الإيمان والالتزام. وعندئذٍ ستتكاثر الحياة. إن المعجزة التي صنعها الرب مع النبي لا تحدث دفعة واحدة. لقد اندهش النبي بالتأكيد مما رأى وسمع، لكن ذلك لم يكن كافيًا بعد، فما زال هناك شيء ناقص. وهذا ينطبق علينا أيضًا: يجب أن نواصل الثقة، وأن نواصل الإصغاء، وأن نواصل الإيمان. إن الخيارات التي اتخذتموها، والمسيرة الكنسية التي سرتم فيها، والانطلاقات الصغيرة والكبيرة التي واجهتم بها الألم، ليست كل شيء بعد. فإذا توقفنا، عدنا إلى الوراء.

مضى لاون الرابع عشر إلى القول: ليمنحكم الروح القدس أن تروا جيشًا من السلام يقوم واقفًا ويشفي جراح هذه الأرض وجماعاتها. لا نارًا تحرق بعد الآن، بل نارًا تحيي وتدفئ، نار الروح الذي يشعل قلوب وعقول آلاف وآلاف الرجال والنساء، الأطفال والمسنين، ويلهم العناية والتعزية والانتباه والمحبة الحقيقية. وأنتم على وجه الخصوص، أيتها العائلات التي أصابها الموت، أنجبوا حياة جديدة من خلال نقل ذلك الإحساس بالمسؤولية إلى الأبناء والبنات، إلى الأحفاد والجيران، ذلك الإحساس الذي افتُقد مرات كثيرة حتى الآن. دعوا الاستياء يموت، ومارسوا أنتم أولًا العدالة التي تطالبون بها، واشهدوا للحياة، وربّوا على العناية. وأنتم أيضًا، أيها الخدام المرسومون، والراهبات والرهبان، كونوا أعضاء أحياء في هذا الشعب: أظهروا يوميًا سلطان الخدمة، الخدمة التي تتواضع وتقترب، التي تبادر وتغفر. إذ يجب اقتلاع ثقافة الامتياز والتسلط وعدم المحاسبة، تلك التي ألحقت شرًا عظيمًا بهذه الأرض، كما بمناطق كثيرة أخرى من إيطاليا والعالم.

تابع الحبر الأعظم يقول: ليهبّ الروح من الجهات الأربع، وليُلهم أشكالًا جديدة من البشارة والتعاون والتجديد البيئي والاجتماعي. فهناك بالفعل روحانية للأماكن، لكنها تستمد كل شيء من روحانية الأشخاص. لأن تغيير العالم يبدأ دائمًا من القلب. وقد أعلن حزقيال نفسه، قبل هذه النبوءة عن الموت والقيامة، التجديد الذي لا يقدر عليه إلا الله: "هكذا قال السيد الرب وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل في داخلكم روحًا جديدة، وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. فتسكنون في الأرض التي أعطيتها لآبائكم، وتكونون لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا". ختم البابا لاون الرابع عشر كلمته قائلا: ليهبنا الرب يسوع القائم من بين الأموات أن نعيش معًا هكذا، قادرين على استقبال كلمة الله ووضعها موضع التطبيق، حجاجًا هنا على الأرض ومواطنين في أبديته.