محرر الأقباط متحدون
استقبل البابا لاون الرابع عشر هذا الجمعة في الفاتيكان المشاركين في مؤتمر دولي بعنوان "الحفاظ على أصواتٍ ووجوه بشرية" دعت إليه ونظمته الدائرة الفاتيكانية للتواصل بالتعاون مع دائرة الثقافة والتربية.

وجه الحبر الأعظم لضيوفه خطاباً استهله مرحباً بهم ومعرباً عن سروره للقائهم في الفاتيكان لمناسبة انعقاد مؤتمرهم بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي الستين للتواصل. وقال إن ضيوفه المتمرسين في مجال التواصل الرقمي قدموا إلى روما من مختلف أنحاء العالم يحركهم حرصهم على مستقبل العائلة البشرية، ولهذا السبب شاؤوا الغوص في موضوع محو الأمية الرقمية. وأضاف أن كل واحد من المؤتمرين حمل معه مواهبه من أجل الإسهام في رسم مسار البشرية في هذا الزمن المطبوع بالتطور التكنولوجي الهائل، وهي مسألة تكتسب أهمية بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية.

بعدها أكد الحبر الأعظم أنه يمكننا أن ندرك دفاع الكنيسة عن التواصل في إطار رسالتها الكونية، وقال إن المرسوم الصادر عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بشأن وسائل الإعلام يذكّرنا بأن الكنيسة تأسست على يد ربنا لتحمل الخلاص إلى الجميع، وهي بالتالي مدعوة إلى الكرازة بالإنجيل. وشدد لاون الرابع عشر في هذا السياق على أن الكنيسة وضعت في طليعة أولوياتها الخلاص الأبدي لكل كائن بشري، لكي يعرف الجميع الله الواحد الحقيقي، ويسوع المسيح الذي أرسله.

من هذا المنطلق شدد البابا على أن رغبة الكنيسة في أن يخلص الجميع ويأتوا إلى معرفة الحق ينبغي أن توجّه قراراتنا وأعمالنا، كما أيضا استخدام وسائل الإعلام والتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لكي توضع هذه الأدوات كلها في خدمة البشرية. وذكّر الحبر الأعظم بما جاء في رسالته لمناسبة اليوم العالمي الستين للتوصل عندما حذر من فقدان معنى أن نكون بشراً حين تُطبق التكنولوجيات الحديثة على حساب كرامة الإنسان وتلحق الضرر بالعلاقات البشرية. من هذا المنطلق شدد البابا على ضرورة استعادة فهم وإدراك أعمق لعظمة البشرية كما شاءها الله، لذا فإن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس تكنولوجيا بقدر ما هو أنتربولوجي، وتمنى أن تتمكن رسالته العامة الأولى التي ستصدر بعد أيام معدودة من التجاوب مع هذا التحدي.

تابع لاون الرابع عشر كلمته يقول إنه من خلال التأمل المسيح، الكلمة المتجسد، نستطيع أن نستعيد نظرة صحيحة لله، وأن نفهم حقيقة البشرية. وأكد أن ابن الله وبتجسده اتحد بطريقة ما مع كل كائن بشري، كما جاء في الدستور الرعوي "فرح ورجاء"، ولذا فإن القلب البشري لن يفهم عمقه بالكامل ولن يدرك قيمته بمعزل عن قلب المسيح. من هذا المنطلق فإن الحفاظ الحقيقي على وجوه وأصوات الأفراد يجب أن يتضمن لقاء مع من هو صورة الله اللا منظور، والإنسان الكامل في الآن معا.

هذا ثم شدد الحبر الأعظم على ضرورة أن نأخذ هذه الحقائق في عين الاعتبار عندما نناقش تبعات التكنولوجيات الرقمية ودور الكنيسة على صعيد التواصل الاجتماعي. ولفت البابا إلى أن هذه المهمة ليست دائما سهلة، لكننا نعلم أننا دُعينا لنحمل نور المسيح إلى العالم، كي ننير كل بعد من أبعاد النشاط البشري. وأضاف أن الكنيسة تجد نفسها اليوم مضطرة للإسهام في جهود التخطيط والتطبيق في مجال محو الأمية على صعيد الإعلام والتواصل والذكاء الاصطناعي، ودمج هذه الاختصاصات ضمن المناهج التربوية. وبهذه الطريقة يكتسب الأشخاص تفكيراً نقدياً، وتساهم التكنولوجيات الحديثة في إنقاذ الأشخاص الذين يستخدمونها.

بعدها توقف لاون الرابع عشر عند هواجس الجميع حيال النتائج التي يمكن أن تترتب على استخدام التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، ليس فقط على صعيد النمو الجسدي والفكري للأطفال والشبان إنما أيضا على صعيد الرخاء الروحي. لذا يتعين على جميع الأشخاص، لا سيما الشبان، أن يتعلموا استخدام هذه التكنولوجيا باعتدال وانضباط، تحت إشراف الأهل والمربين. كما لا بد أن تتضمن عملية محو الأمية الرقمية، في ضوء سوء الفهم السائد بشأن الله والكائن البشري، تربية على الحقيقة حول الله والبشرية. والشبان بنوع خاص، مضى يقول، منفتحون على هذه الحقيقة ويرغبون في التعرف على معنى الحياة، فلا بد أن نساعدهم على الالتقاء بالمسيح الحيّ وأن نعلّمهم كيف يستخدمون هذه التكنولوجيات في إطار نمط حياة مسيحية متكاملة.

في ختام كلمته إلى المشاركين في المؤتمر الدولي أكد البابا لاون الرابع عشر أن هذا الموضوع عزيز جداً على قلبه وعلى قلب الكنيسة التي تعتني كأمٍ بحياة بنيها وتريد أن تقودهم نحو النضوج التام. من هذا المنطلق تمنى الحبر الأعظم أن تساهم نقاشات ضيوفه وتأملاتهم في استعادة الثقة بالتكنولوجيا كثمرة لعبقرية الكائن البشري في إطار التناغم مع مخطط الله الخالق. بعدها شكر البابا الحاضرين على الجهود الحثيثة التي يبذلونها اليوم وسيبذلونها في المستقبل ثم منحهم وعائلاتهم فيض بركات الحكمة والفرح والسلام.