الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
أرسل لي كثيرون خلال الأيام الماضية: «إيه رأيك يا أبونا في قانون الأحوال الشخصية الجديد؟»

 وصراحةً، فضّلت أن أصبر قليلًا حتى يهدأ الضجيج والانفعال، ويصبح ممكنًا التفكير بدل الاكتفاء بردود الفعل. أولًا، من الناحية الكاثوليكية، لا يوجد "طلاق" لا بالمعنى اللاهوتي ولا على مستوى القانون الكنسيّ، وهذا لا تغيير فيه كنسيًّا. لكن ليس هذا موضوعنا الآن.

الموضوع الأهم في رأيي هو سؤال آخر: هل نريد فعلًا دولة مدنية حديثة؟ أم نريد إعادة إنتاج نظام الطوائف ولكن بلغة قانونية معاصرة؟ لأنّ ما يحدث حاليًّا، في تقديري، لا يؤسس لمواطنة مدنية كاملة، بل يكرّس أكثر فأكثر فكرة أنّ المصري يُعرَّف قانونيًّا انطلاقًا من طائفته الدينية، لا بوصفه مواطنًا أولًا. في الدولة المدنية الحديثة، أنت مواطن قبل أي شيء، سواء كنت يهوديًّا أو مسلمًا أو بوذيًّا، أو مسيحيًّا: كاثوليكيًّا، أو أرثوذكسيًّا، أو إنجيليًّا إلى آخره.. الدولة تنظم علاقتك المدنية بها: الزواج المدني، والطلاق المدني، والميراث، والنفقة، والحضانة، والحقوق القانونية. ثم بعد ذلك يأتي زواجك الديني داخل كنيستك أو جماعتك الدينية وفق إيمانك وضميرك. في معظم الدول المتقدمة، والدول الأوروبية، لا تعقد الكنيسة زواجًا كنسيًّا إلا بعد إتمام الزواج المدني أصلًا، لأنّ الدولة لا تدير الأسرار، والكنيسة لا تتحول إلى سلطة تشريعية مدنية. نعم، قد يحدث تضارب بين القانون المدني والإيمان الديني؛ فقد تعترف الدولة بطلاق مدني بينما لا تعترف الكنيسة بانحلال الزواج سرّيًّا. لكن هنا يأتي دور الضمير الديني، لا الإكراه القانوني. فالإنسان المؤمن يقرر أمام الله وكنيسته كيف يعيش إيمانه، لا لأنّ الدولة فرضت عليه ذلك بقانون مدني. حين يتحول الدين إلى إلزام قانوني مدني، تصبح الدولة تدريجيًّا دولة دينية حتى وإن استخدمت لغة مدنية حديثة. ولهذا أخشى أنّ القانون الحالي، مع احترام النوايا الحسنة وراءه، يرسّخ أكثر منطق "الطوائف القانونية" بدل منطق "المواطنة المدنية".

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نواجهه بصدق هو: هل نحن نبني دولة مبنيّة على المواطنة… أم دولة طوائف وأديان؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ