بقلم: أندرو اشعياء
لم أحسب نفسي قط أهلًا أن أقف أمام الله لأطلب شيئًا لنفسي، كأنني أملك حقًّا في الدالة أو نصيبًا في الاستحقاق. كيف أرفع عينيّ إلى العلاء، وأنا أعرف ثقل ما في القلب من غبار، وما في الفكر من تشوّش؟ لقد تعلّمت أن الصمت أصدق من الكلام، وأن الانسحاق أبلغ من الطلب، وأن الوقوف على عتبة الرحمة خير من ادّعاء الدخول إلى قدسها.
كنتُ أرى نفسي غريبًا حتى عن ذاتي، فكيف لا أكون غريبًا عن استحقاق النعمة؟ كلما هممتُ أن أطلب، ارتدّ لساني إلى داخلي، كمن خجل من صوته… لم أطلب لنفسي، لأنني لم أعد أرى نفسي منفصلة عن الآخرين. صرتُ أحملهم في قلبي كأنهم أنا، وأرى ضعفي في ضعفهم، وسقوطي في عثراتهم. فإذا صلّيت، صلّيت لهم، وكأنني أقدّم ذاتي فيهم.
لقد ادركت في هذا الحضور الصامت أن الذي ينسى نفسه لا يضيع، إنما يُحفظ في عين الله أكثر. وأن النفس حين تنشغل بذاتها تضيق، وحين تنسى ذاتها تتّسع حتى تحتوي ما هو أسمى منها. وأن الذي يفرّ من الطلب، يُعطى امتلاءً بالعطية. وكأن الله يُعطي لمن يمدّ يده، وبالأكثر لمن كسرها تواضعًا.
لقد اخترت أن أترك نفسي في يد الله بلا شرح ولا تبرير. هو يعرف ما أحتاجه قبل أن أعرف، ويرى عمقي حيث لا أستطيع أن أرى. فكيف أعلّم العارف؟ وكيف أصف للطبيب موضع جرحي وهو الذي فحصه قبل أن أولد؟
وهكذا صرت أعيش صلاة بلا كلمات، ورجاء بلا مطالب. لستُ لكوني بلغت كمالًا، إنما لأنني أدركت فقري. ومن عرف فقره، استراح من إثبات غناه. صرت أكتفي بأن أكون في حضرته، لا كطالب، بل ككائن محتاج إلى الوجود ذاته. وهناك، في هذا الحضور الصامت، تُقال كل الصلوات دون أن أنطق، وتُستجاب كل الطلبات دون أن أطلب.
وهكذا، لم يجد باخوميوس (اب الشركة العظيم) نفسه أهلًا أن يطلب لأجلها طيلة حياته!! وقد اكتشف أعماقًا عظيمة حين جاهد نفسه عن نفسه!





