لولاها لضاع في غياهيب التاريخ
القس مارتيروس جمال
مسار العائلة المقدسة في مصر، معلم فريد، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فلم تخطو العائلة المقدسة خطوه واحده، على اي بقعة من العالم خارج الارض المقدسة، غير مصر. مما يثمن خصوصيته الدينية والسياحية، بدرجة لا تقل عن اهرامات مصر وآثارها العظيمة. هذه الخصوصية، وهذه الفرادة، كان للكنيسة القبطية، الدور الاول، والعامل الفاعل في ترسيخها وتأصيلها. كيف كان هذا وما الخطورة الكامنة في تجنيب الكنيسة الأشراف على المسار
اولا: تثمين قيمة المسار
تكرارا لما قيل في المقدمة، كان للكنيسة القبطية الدور الاول في تثمين قيمة المسار، وترسيخ أهميته التي يعترف بها كل العالم، فمنذ القديم قننت الكنيسة مجئ العائلة المقدسة، كأحد الأعياد السيدية، عيد له أهميته، وطقسه، وقراءاته، العيد الذي تصلي قداسه، وتحتفل به كل كنيسة قبطية في عموم المسكونة. وفي النقاط التي مرت بها العائلة المقدسة، يكون للعيد وضع خاص، واستعداد استثنائي.
ثانيا: الترسيخ الروحي
روحيا، رسخت الكنيسة القبطية زيارة العائلة المقدسة الى مصر، في قلوب الأقباط، ليصبح الحدث، ليس فقط مناسبة تاريخيّة قديمة، بل رسالة ودرس روحي عميق ودائم. فكانت الزيارة: إعلان لملكوت الله في أرض مصر (مزمور عشية)، ومصدر فرح دائم (مزمور باكر)، وتجلي لرعاية الله (البولس)، وقبولنا في هيكل الله الجديد (الكاثوليكون)، ومصر المباركة المضيافة (الابركسيس، والانجيل)، والمسيح المنتصر (مرد الانجيل)، ونور المسيح للأمم (لحن تي جاليلي اه).
ثالثا: الشمول الليتورجي
ليتورجيا، رسخت الكنيسة الحدث في صلوات وطقوس وقراءات والحان، اصبحت من صميم العبادة.تكرارها في كل عام، وفي نفس المناسبة، عمق قيمة كل ما يختص بالمناسبة، وثبت حضوره الدائم في الوجدان القبطي على مر الأجيال، وجعلها غير قابله للاندثار، والتلاشي. على سبيل المثال: تمثل دورة الكاهن حول المذبح، في قداس عيد دخول السيد المسيح أرض مصر، وبيده الانجيل المقدس ملفوفا بالحرير، وتقبيل الشعب للانحيل وهو بيده امام باب الهيكل، ترسيخا لخصوصية الحدث، وتأكيدا على قيمته الروحية.
رابعا: الشواهد المعمارية
ماديا، قامت الكنيسة القبطية في كل نقطة من نقاط مسار العائلة المقدسة، بتأسيس المزارات والكنائس والأديرة، لتتحول النقطة الجغرافية العابرة، إلى شاهد معماري ثابت على هذا الحدث الفريد، فمن ابي سرجه، إلى المطرية، إلى الدير المحرق، الى جبل أسيوط، الى جبل الطير، إلى كل المواقع، تتجلي، قيمة وتاريخية هذه الزيارة المقدسة امام كل العالم، في كل الأجيال.
خامسا: المكون الثقافي
ثقافيا، اصبحت الكنائس والمزارات المقدسة على طول مسار رحلة العائلة المقدسة في الدلتا، وشرقها، وغربها، ومصر القديمة، والصعيد الادنى والأوسط، مقصد ملايين المصريين بوجه عام، وليس فقط الأقباط. ذلك بحسب مواقيت ثابته تراعى بكل اهتمام. كما اصبحت الأغاني والترتيلات والأهازيج التي أبدعتها الشخصية المصرية، لتلك المناسبة، مكون أساسي من مكونات الفلكلور المصري. وهكذا كان الحضور القوي للزيارة في الموروث الثقافي المصري، من العوامل الفاعلة في ترسيخ المسار.
سادسا: المواقع الحية
معظم المواقع التي مرت بها العائلة المقدسة، لم تدم كموقع جغرافي مجرد، أو معلم معماري جامد. بل عاشت كل هذه السنوات الطويلة تنبض بالحياة، كنائس لم تنقطع منها الصلوات او الرعاية، وأديرة عامرة بالرهبان منذ أقدم العصور. وهكذا ساهمت كنائس عريقة مثل ابي سرجه، والمطريه، وجبل الطير، وديروط الشريف، وغيرها، وأديرة عامرة مثل أديرة وادي النطرون، والدير المحرق في الحفاظ على جغرافية المسار حية فاعلة، وليست حدث من الماضي.
سابعا: التوثيق التاريخي
إضافة الى كل ما قامت به الكنيسة القبطية في تاكيد وترسيخ مسار العائلة المقدسة في مصر، روحيا وماديا، لايمكن غض الطرف عن دورها في التوثيق التاريخي للمسار، والذي لايقتصر فقط على الميمر الشهير للبابا ثاؤفيلس الثالث والعشرين، بل والكثير من المخطوطات والميامر بالمكتبة البطريركية ومكتبات الأديرة، منها ميمر الانبا قرياقص، ومخطوطات السنكسار القبطي، والكثير من الآثار المادية التي تدعم رواية المسار التاريخية مثل بئر سخا، ومغارة ابي سرجه، ومذبح الدير المحرق. هذه الآثار التي لفتت نظر الكثير من مؤرخي العصر الوسيط أمثال ابي المكارم، والمقريزي.
ثامنا: الدراسات الحديثة
لم يقتصر التوثيق التاريخي القبطي للحدث، على تلك الميامر والمخطوطات والشواهد المادية القديمة، بل قدم العديد من الأقباط الكثير من الدرسات التاريخية والأثرية للمسار، عمقت توثيق الحدث، واكدت قيمته التاريخية، وبحثت في أساليب استخدامه وتطويره، منهم على سبيل المثال، مثلث الرحمات نيافة الانبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، والدكتور مرقس سميكة، والدكتور جودت جبره، والدكتور اسحق إبراهيم عجبان، وايبارشية الفيوم، والدكتور عدلي انيس استاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة، الذي وثق المسار طبقا لتقنيات نظم المعلومات الجغرافية GIS، وغيرها من الدراسات.
تاسعا: حفظ الهوية
من خلال انتشار الأديرة والمزارات على طول المسار، وديمومة الحياة في كنائسها وأديرتها، تم الحفاظ على الأسماء القديمة للكثير من المواقع التي مرت بها العائلة المقدسة في مصر، على سبيل المثال: درنكه، القوصية، ديروط، الاشمونين، البهنسا، وادي النطرون، سخا، مسطرد، بسطا، الفرما. وهو ما يعد حفظا للهوية الجغرافية ليس فقط للمسار، بل للقطر المصري، وتأكيدا لعمقها التاريخي، ودورها الدائم كملجأ وحضن كريم لكل من قدم اليها.
عاشرا: التعاون الإيجابي
في السنوات الأخيرة، أظهرت الكنيسة القبطية، تعاونا ايجابياً مع المنظمات الدولية مثل اليونيسكو، ووزارة السياحة المصرية، وتفهما لمشروع إحياء المسار التاريخي للعائلة المقدسة. تعاون أسفر عنه الكثير والكثير من النتائج الإيجابية، في سبيل تأهيل كل مواقع المسار، ليصبح صالحا كوجهة عالمية للحج المسيحي.
اخيرا
ديمومة بقاء المسار تحت رعاية وإشراف الكنيسة القبطية، وبمذاق وروح قبطية، حتمية تاريخيّة ووطنية، والاجتراء على تغيير هذا الوضع التاريخي، يمثل خطورة حقيقية على هذا الخصوصية القبطية والوطنية، وهذا ما سنناقشه في مقال قادم، ان احيانا الرب وعشنا.
دمتم في رعاية الرب
القس مارتيروس جمال





