دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو 
«وهذَا هُوَ الْوَعْدُ الَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» — ١ يوحنا ٢: ٢٥
حين نقرأ عبارة “الحياة الأبدية”، يذهب تفكيرنا إلى صورة ما بعد الموت، إلى السماء بمجدها الموعود، إلى حياة لا تعرف نهاية. 
وهذا صحيح، لكنها ليس ت صورة كاملة. فالحياة الأبدية لا تُعرَف بمدتها فحسب، بل بطبيعتها ونوعيتها. إنها — في جوهرها — حياتنا مع الله ذاته، بكل غناها وجمالها وعمقها.

والمفاجأة الكبرى التي يكشف عنها الكتاب المقدس أن هذه الحياة ليست هي المستقبل. إنها أبديّة "الآن"

أولًا: الحياة الأبدية تبدأ اليوم
يقول الرب يسوع في إنجيل يوحنا:

«وهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيةُ: أَنْ يَعْرِفُوك أَنْتَ الإِلهَ الْحقِيقِيَّ وَحْدكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ» — يوحنا ١٧: ٣

ويقول الوحي المقدس  “هذه هي” — في زمن الحاضر. المعرفة الحقيقية لله ليست امتيازًا مستقبلياً مؤجلًا، بل هي جوهر الحياة الأبدية ذاتها، ومن يعيشها في علاقته اليومية مع المسيح، يتذوق أبديةً وسط الزمن الحاضر.

ويؤكد يوحنا في رسالته الأولى:
«مَنْ لَهُ الابْنُ فَلهُ الْحَيَاةُ» — ١ يوحنا ٥: ١٢

الحياة ليست وعدا مُعلَّقًا في الغيب، بل حضور حيٌّ في الداخل في حالة تواجد الابن يسوع المسيح داخلنا. 

ثانيًا: الحياة الأبدية الحاضرة لا تعني غياب المشكلات

قد يتوهم البعض أن الدخول إلى هذه الحياة يعني التخلص من التجارب والمعاناه، لكن الكتاب المقدس يخبرنا: 

«فِي الْعَالَمِ سَيَكونُ لَكُمْ ضِيق، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعالَمَ» — يوحنا ١٦: ٣٣

الضيق حقيقة، والغلبة أيضًا حقيقة. والحياة الأبدية لا تُلغي الضيقة، لكنها تختبر - في الآونة نفسها روعة عمل الله في هذه الضيقة وحلوله المدهشة داخل أبواب الضيقة الموصدة.

ينقل  الرسول بولس شهادته من داخل السجن، لا من مجلس الراحة قائلاً:

«أَسْتَطِيعُ كُلَ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقوِّينِي» — فيلبي ٤: ١٣

ثالثًا: الحياة الأبدية تعني اختيار الطريق الآخر

حين تواجهنا مشكلة، يكون أمامنا طريقان:

الطريق الأول: أن نحاول حلّها بقدرتنا البشرية المحدودة . وعادةً تكون النهاية قلقًا وخوفًا وتعبًا، لأن قدرة الإنسان مهما عظمت تظل مقيّدة، كما يقول الكتاب:

«لاَ تَتَّكِلْ عَلَى فَهْمِك أَنْتَ، فِي كُلِّ طرُقِكَ اعْتَرِفْ بِهِ وَهُوَ يُقَوِّمُ أَفْكَارَكَ» — أمثال ٣: ٥-٦

الطريق الثاني: أن نأتي إلى الرب بظروفنا كاملة، وتقول بصدق: “يا رب، هذا الموقف بتدبيرك كان، ولم يكن يأت لو أنت لم تأذن. فأرني حلولك لا حلولي.”

هذا ليس استسلامًا سلبيًا، بل هي ثقة إيجابية تُفتح بها خزائن حكمة الله في حياة المؤمن:

«إِنِ افْتَقَرَ أحَدُكُمْ إِلَى الْحِكْمَةِ فَليَطْلُبْ مِنَ اللهِ الذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ» — يعقوب ١: ٥

رابعًا: الصلاة التي تُدخلك إلى الأبدية

ثمة صلاة لا تقال بعبارات رنانة، بل بقلب صادق:
«لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ بلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَة وَالتَّضَرعِ مَعَ الشُّكْرِ قدِّمُوا طِلْبَاتِكُمْ لِلهِ، وَسلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفوقُ كُلَّ عَقْل» — فيلبي ٤: ٦-٧

هذه الصلاة تحول ضيقتنا وهمومنا العادية إلى تجربة شخصية مع الله ، وحوار معاش بالصلاة يكلله الله بحلول السلام

يتبقي القول أن الحياة الأبدية الحاضرة هي وعد سماوي كما  يخبرنا الكتاب 

وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ."
يوحنا ١٠:١٠