بقلم: جمال رشدي
​في الأوقات الحرجة من تاريخ الأمم، تصبح التشريعات والقوانين إما درعاً يحمي الجبهة الداخلية، أو ثغرة ينفذ منها الخصوم؛ والمأمل من مجلس النواب الموقر أن يكون دائماً حائط الصد الأول للوطن. غير أن مشروع القانون المقدم من النائب عمرو درويش، والموقع عليه من ستين عضواً بشأن إنشاء "الهيئة العامة مسار العائلة المقدسة"، والمنظور حالياً تحت قبة البرلمان، يضعنا أمام علامات استفهام كبرى تتجاوز حدود العمل الإداري والتنظيمي. إن القراءة السطحية للمشروع قد تُوحي للوهلة الأولى بأنه مجرد خطوة استثمارية لتعظيم موارد الدولة وتنشيط السياحة الدينية، لكن القراءة العميقة والمتأنية تفكك شفرات هذا النص التشريعي لتكشف عن أبعاد بالغة الحساسية، تتقاطع —عن غير قصد أو عن قصر نظر— مع ملفات الأمن القومي المصري في أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية.

​وتكمن خطورة هذا المشروع محلياً في فلسفته الإقصائية وعشوائيته الإدارية؛ إذ إن نصوص المادتين الثالثة والسادسة —اللتين تمنحان الهيئة سلطة استثمار الأراضي ونقل تبعية المنشآت السياحية في نطاق المسار بقرار حكومي المظهر— تحمل في طياتها تخوفاً حقيقياً من فرض الوصاية أو الاستيلاء المباشر على ممتلكات الكنائس والأديرة التاريخية. إن إدارة ملف بهذا الحجم الديني والثقافي الذي يضم خمسة وعشرين نقطة ممتدة لآلاف الكيلومترات، دون اندماج حقيقي وشراكة كاملة مع الكنيسة المصرية الوطنية —باعتبارها الحارس التاريخي والروحي لهذا الإرث الممتد لقرابة ألفي عام— يُعد مجازفة غير محسوبة العواقب. وفي وقتٍ ينشغل فيه الرأي العام بملفات مجتمعية حساسة كقوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين والمسلمين، فإن خلق بؤرة نزاع مالي أو إداري بين مؤسسات الدولة والكنيسة هو بمثابة تقديم وقود مجاني لقوى الظلام لإعادة إشعال الفتنة الطائفية وتفتيت الجبهة الداخلية، في إعادة إنتاج مستترة لذات الأهداف الدنيئة التي سعت إليها الجماعات الإرهابية يوم أن أحرقت كنائس مصر.

​وعلى الصعيد الإقليمي، لا يمكن فصل "مسار العائلة المقدسة" عن الصراع الجيوسياسي المحتدم في المنطقة، إذ يمثل هذا المسار بوجوده وقيمته الروحية الجغرافية، المتراس العقائدي والثقافي الأقوى في المنطقة لمواجهة الأطماع التوسعية لـ "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الساعي لتأسيس ما يسمى بمملكة داوود الكبرى من النيل إلى الفرات. وتستند السردية الصهيونية الحاكمة لهذا المشروع إلى نفي الآخر لعدم إيمانهم بمجيء المسيح وانتظارهم المسيح الملك الأرضي الذي يقيم مملكة داوود حسب منظور إيمانهم، بهدف إقامة هيكل سليمان المزعوم مع إزاحة الموروثات الدينية الشرقية، الإسلامية والمسيحية على حد سواء؛ ومن ثم، فإن تفعيل مسار العائلة المقدسة وترسيخه كحقيقة تاريخية وجغرافية دامغة يضرب هذا الإيمان الصهيوني الواقف وراء هذا المشروع التوسعي في مقتل. ولهذا السبب تحديداً، فإن الصهيونية العالمية التي تهيمن على كارتيلات السياحة وأساطيل الطيران والمسارات الملاحية الدولية، لن تتوانى عن محاصرة أي جهد مصري يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية المتكاملة، بل إنها ستستغل هذه العشوائية التشريعية لإجهاض المشروع في مهده وإظهار الدولة بمظهر المتعدي على الحريات الدينية.

​ويمتد الخطر إلى الساحة الدولية ليتقاطع مع الرؤية العقائدية لتيار "الصهيونية المسيحية" المتمثل في اليمين الإنجيلي في الغرب والأدوات التابعة له والخادمة للمشروع الصهيوني من البلاغيين وشهود يهوه والخمسينيين وغيرهم، وهو تيار يحمل عداءً تاريخياً ومفهوماً لاهوتياً يقلل من مكانة السيدة العذراء والرموز المقدسة للمسيحية الشرقية، ولا يعترف بشفاعة القديسين. إن إصرار البرلمان على صياغة هذا الملف الحيوي في قالب مالي جاف واستثماري بحت، يحرم المسار من حصانته الروحية والعالمية، ويحوله إلى مجرد "مشروع عقاري"، مما يسهل على القوى الغربية المتربصة استهدافه، وتشويه سمعة مصر الدولية، واستغلال أي صدام إداري محلي كذريعة قانونية للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد بدعوى حماية الأقليات أو التراث الإنساني.

​إن "مسار العائلة المقدسة" ليس مجرد أرقام تُضاف إلى ميزانية وزارة السياحة، بل هو مسألة أمن قومي رفيعة المستوى، وقضية سيادة ديبلوماسية وثقافية لمصر أمام العالم. وصياغة هذا الملف بعشوائية تشريعية، ومن خلال نواب جاؤوا عبر القوائم الحزبية ودون دراية عميقة بالتعقيدات الدولية والإقليمية، هو أمر يضع اسم مصر وكرامتها الدولية على المحك. إن ترسيخ دعائم "المواطنة" التي يحمل لواءها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي تقتضي وأد هذا المشروع في مهده، وإعادة صياغته برؤية استراتيجية عليا تشترك فيها أجهزة الدولة السيادية مع الكنيسة المصرية، ليكون المسار حجر زاوية في بناء القوة الناعمة لمصر، لا حجراً يُستغل لضرب استقرارها؛ فحفظ الله مصر، ووقى شعبها شر الفتن المبطنة.