الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من أكثر التفاصيل إرباكًا في روايات القيامة في الأناجيل أنّ يسوع قام من الموت، لكنّ جراحه لم تختفِ. فآثار المسامير لم تزل في يديه، والجنْب المطعون لم يزل ظاهرًا. وحين شكّ توما، لم يُخفِ المسيح ندوبه، بل دعاه إلى لمسها: «هاتِ إصبعك إلى هنا، وانظر يديَّ» (يو 20: 27). وهكذا في روايات القيامة تبدأ المسيحيّة من دون بإنكار الألم، فهي هنا تبدأ بجسدٍ مجروحٍ مرّ بالموت ونجا منه.
وكثيرًا ما تتحدّث اللغة الدينيّة الحديثة عن الشفاء وكأنّ الخلاص يعني أن يصبح الإنسان غير مجروح مرّةً أخرى، نقيًّا بلا كسور أو ذاكرة. وكأن الإيمان يعمل عمل الدواء في الصداع، محو كامل ونسيانٌ للأمل ولا وجود لأيّ آثار. لكنّ روايات القيامة تقترح شيئًا أعمق بكثير. فالمسيح القائم لا يمحو "الجمعة العظيمة" من جسده. والقيامة لا تلغي "التاريخ". إنّ الجراح تتحوّل، لكنّها لا تُنكَر ولا تختفي!
من هنا يمكن الحديث عن "لاهوت الندوب". فالندبة تختلف عن الجرح. الجرح لم يزل ينزف، أمّا الندبة فتتذكّر وتشهد وتروي. إنّ الندبة شُفيت، لكنّها لم تزل مرئيّة. بالتأكيد لم تَعُد تُميت الجسد، لكنّها تشهد أنّ الألم حدث فعلًا. ولهذا تصبح الندوب علاماتٍ لاهوتيّة: فهي تكشف أنّ الخلاص ليس نسيانًا، وأنّ الله لا يخلّص الإنسان من خلال محو ذاكرته، ولكن من خلال تحويل الذاكرة.
الكتاب المقدّس كلّه مرتبط بالذاكرة. فبنو إسرائيل يتذكّرون العبوديّة في مصر، والأنبياء يتذكّرون الظلم، والإفخارستيّا نفسها قائمة على الذكرى: «اصنعوا هذا لذكري». لذلك فالمسيحيّة ليست دينًا يقوم على محو التاريخ، فاأقنوم الابن بتجسده، دخلَ الله إلي داريخ البشريّة الملموس، وفي قلب المسيحية جسدٌ مصلوب لما تزل جراحه ظاهرة حتّى بعد القيامة.
ولهذا أيضًا تُعدّ الندوب أمرًا خطيرًا سياسيًّا وروحيًّا. فهي تقطع الطريق على الروايات المنتصرة والسريعة التي يذيعها وعّاظ "الأفيون"، وتكشف ثمن العنف، وترفض المصالحة الرخيصة الخادعة التي تجعل مستمع العظة يصطدم بالواقع صدمة تفيقه من آثار تخدير العظة والصلاة المنتصرة في بعض الأوساط الدينيّة. إن كان عالم اللاهوت الألمانيّ يتحدّث عن "الذكرى الخطِرة"، فلأنّ الإيمان الحقيقيّ يتذكّر الضحايا بدل تمجيد القوّة. فالندبة تزعج كلّ نظام يريد من الناس أن ينسوا بسرعة، أو أن “يمضوا قُدمًا” من دون مواجهة الحقيقة.
وليست الندوب فرديّة فقط. فالشعوب أيضًا تحمل ندوبها: الحروب، والمجازر، والاستعمار، والتهجير، والتعذيب، والعنف الطائفيّ، والفقر. الأمم كذلك تمتلك ذاكرةً مجروحة. والسؤال هل نعترف بوجود الجراح من دون انتظار عملق خارق لمحو الذاكرة؟ هل لدى المجتمعات الشجاعة للاعتراف بالجراح وباستمراريّة آثارها؟
ومع ذلك، فإنّ لاهوت الندوب ليس لاهوت يأس. فالندبة ليست جرحًا مفتوحًا إلى الأبد. فالقيامة لم تزل حقيقيّة. ويبقى العنف شرًّا، والصلب يبقى جريمة، لكن الموت لا يملك الكلمة الأخيرة. تبقى الندوب مرئيّة، لكنّها لم تَعُد تتحكّم بالجسد. تبقى الذاكرة، لكنّها لم تَعُد سجنًا. ويتحوّل الجرح إلى شهادة. فتوما، والتلاميذ تعرفوا علي المسيح القائم انطلاقصا من ندوبه.
ربّما هذا ما يحتاجه كثيرون اليوم: ليس وهم العودة إلى حالةٍ بلا ألم، بل الرجاء بأنّ الحياة المجروحة يمكن أن تصبح ذات معنى. فالمسيح القائم نفسه لم يزل يحمل جراحه، وربّما القداسة نفسها ليست غياب الندوب، ولكنّها تكمن في تحويلها.





