أكرم ألفي
لماذا ينخفض معدل المواليد في كل مكان في العالم؟
هذا هو العنوان الذي حمله تقرير مطول لصحيفة Financial Times. لكن ما أثار انتباهي في التقرير هو جملته الختامية، التي شددت على أن تحدي العصر الراهن يتمثل في إعادة جمع شمل جيل كامل من شباب العالم يشعر بالتشظي والإحباط.

يركز تقرير «فاينانشيال تايمز» على تأثير الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي على معدلات الإنجاب، وكيف ارتبط تراجع المواليد في مصر وأميركا وبريطانيا والمكسيك ودول أخرى بانتشار الإنترنت وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي. لكن التقرير يطرح أيضًا نقاطًا شديدة الأهمية للنقاش، وهنا أؤكد: للنقاش، وليس للتعامل معها باعتبارها حقائق نهائية أو مسلمات مطلقة.

فالتقرير يرصد، في جانب منه، أن النساء المتزوجات في العالم ينجبن عددًا أكبر من الأطفال مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد أو أكثر، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في التراجع غير المسبوق في معدلات الزواج عالميًا. ووفقًا للتقرير، لو استمرت معدلات الزواج في الولايات المتحدة عند مستوياتها السابقة، لكان معدل المواليد اليوم أعلى بكثير مما هو عليه الآن.

كما يشير التقرير إلى أن ثلثي دول العالم انخفضت فيها معدلات الخصوبة إلى ما دون معدل الإحلال السكاني (2.1 طفل لكل امرأة)، وأن هذا التراجع يتسارع بصورة غير مسبوقة، إلى درجة تجعل بعض التوقعات الدولية تبدو بعيدة عن الواقع. فعلى سبيل المثال، توقعت الأمم المتحدة في عام 2020 أن تسجل South Korea نحو 350 ألف مولود في عام 2023، لكن العدد الفعلي لم يتجاوز 230 ألفًا، أي أقل بنحو 40% من التوقعات.

(وهنا يظل شعاري الشخصي: ضرورة إلقاء كثير من تقديرات الأمم المتحدة السكانية في أقرب سلة مهملات).

ويشدد التقرير على أن ظاهرة تراجع الزواج والمواليد أصبحت ظاهرة عالمية، فلا توجد دولة تقريبًا لا تعاني منها. بل إن بعض الدول الأفقر باتت تتجه إلى تسجيل معدلات خصوبة أقل من الدول الأكثر ثراءً؛ فمعدل الخصوبة في Mexico أصبح للمرة الأولى أقل من نظيره في الولايات المتحدة، كما أن معدل الخصوبة في Iran بات أقل من المعدل الأميركي. ووفقًا لأستاذ الاقتصاد السياسي في University of Pennsylvania، فإن «انخفاض الخصوبة أصبح السؤال الأكبر في عصرنا».

ويشير التقرير إلى أن تراجع الإنجاب لا يعود إلى انخفاض رغبة النساء في الإنجاب — وهنا أتفق تمامًا — بل إلى صعوبة العثور على شريك في زمن أصبحت فيه المرأة أكثر تعليمًا واستقلالًا وتحقيقًا لذاتها، في مقابل رجال لم يستوعبوا هذا التحول بالكامل، ما خلق فجوة يصعب تقليصها. ففي كوريا الجنوبية، لا تزال النساء يرغبن في إنجاب طفلين في المتوسط، لكن الواقع يشير إلى معدل مواليد يقل عن طفل واحد لكل امرأة، بسبب الانخفاض الحاد في معدلات الزواج، كما يحدث أيضًا في Iran وTurkey.

وهنا يطرح التقرير سؤالًا مهمًا:
هل كانت مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت سببًا رئيسيًا في تراجع معدلات الزواج عالميًا؟
كما يحذر من خطر قادم يتمثل في أن الفئات الأقل دخلًا والأقل تعليمًا في العالم تتجه بصورة متزايدة إلى العزوف عن الزواج والإنجاب، في ظاهرة تبدو فريدة في تاريخ البشرية.

وفي النهاية، يبقى السؤال:
هل سينجح العالم في إعادة جمع شمل هذا الجيل المتشظي، الرافض للزواج والارتباط؟ أم أن منطق الربح، والتعامل مع البشر كأدوات لتحقيق المكاسب، إلى جانب الفجوة الطبقية الهائلة، سيقود البشرية إلى أزمة اجتماعية غير مسبوقة؟
أطرح السؤال، وأنا أدرك أن الإجابة الأقرب للواقع هي أن منطق الربح والقوة سينتصر… بينما تخسر البشرية الرهان.