مجدي جورج
هذا الشاب الثلاثيني، الدكتور أبانوب سعد، القبطي ابن قرية جبل الطير التابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا، وهي القرية الملاصقة لدير جبل الطير، ذلك المكان المبارك الذي حلت فيه العائلة المقدسة لبضعة أيام أثناء رحلتها إلى مصر.
 
وُلد أبانوب في هذه القرية النائية، التي طالما عانت من التهميش والإهمال وقلة اهتمام الدولة والمسؤولين. ورغم الظروف الصعبة، اجتهد وثابر طوال سنوات عمره حتى حصل على درجة الدكتوراه من جامعة المنيا، في حفل حضره وزير الشباب والرياضة أشرف صبحي. وخلال الحفل، وعده الوزير بتوفير فرصة عمل تليق بمؤهلاته العلمية، إلا أن هذا الوعد لم يتحقق، ولم يحصل أبانوب على أي وظيفة، وهو أمر لا يخفى سببه على أحد.
 
وأمام مسؤولياته الثقيلة في إعالة زوجته، وأطفاله الثلاثة، ووالديه المسنين، اضطر للعمل بعيدًا تمامًا عن تخصصه العلمي. وفي سبيل توفير لقمة العيش، لجأ إلى العمل في أحد المحاجر القريبة من قريته، حيث كان يعمل في تقطيع الأحجار.
 
لكن المأساة الكبرى وقعت منذ أكثر من عام، حين تعطل جهاز تقطيع الأحجار أثناء عمله، فتسبب في إصابة بالغة في ذراعه أدت إلى نزيف حاد. والأسوأ من ذلك أن صاحب المحجر أهمل حالته، وتركه ينزف لأكثر من ساعتين دون استدعاء سيارة إسعاف أو نقله بسرعة إلى أقرب مستشفى.
 
وفي النهاية، تم نقله بسيارة نصف نقل إلى المستشفى، لكن بعد فوات الأوان. وتشير رواية الأسرة إلى أنه، بعد أن تأكد صاحب المحجر من وفاته، استدعى محاميين لتعديل الأوراق بما يوحي بأن الخطأ كان من جانب الدكتور أبانوب نفسه، في محاولة للتنصل من المسؤولية القانونية.
 
وبعد وفاة الضحية، أوهم أصحاب المحجر أسرة الدكتور أبانوب بأنهم سيقدمون تعويضًا مناسبًا لأرملته وأطفاله الثلاثة، يضمن لهم حياة كريمة، وذلك مقابل عدم تقديم أي بلاغات رسمية. إلا أن هذه الوعود تبين لاحقًا أنها مجرد خداع، إذ لم تحصل الأسرة على أي تعويض، بل انقطع التواصل تمامًا بعد مرور الستين يومًا التي أُغلقت بعدها الإجراءات القانونية دون نتيجة.
 
بل إن الكاهن الذي حاول التوسط لدى أصحاب المحجر تعرض لسوء المعاملة والطرد عندما تدخل دفاعًا عن حقوق الأسرة.
 
واليوم، وبعد مرور أكثر من عام على الحادث، لا تزال الأسرة تعيش مأساة حقيقية: أرملة شابة بلا مصدر دخل، وثلاثة أطفال فقدوا والدهم، ووالدان مسنان فقدا ابنهما ومعيلهما.
 
وكل ما تطلبه الأسرة ليس صدقة ولا إعانة، رغم أحقيتها في ذلك، بل فرصة عمل حقيقية لأرملة الشهيد أبانوب، في مكان قريب من قريتها، حتى تتمكن من إعالة أطفالها بكرامة. وقد أكدت الزوجة مرارًا أنها ترفض الاعتماد على المساعدات، لأنها لا تريد لأطفالها أن يشعروا بالمهانة أو الحاجة، وإنما تريد فقط أن تعمل وتؤمن لهم حياة كريمة.
 
وقد بذلت الأسرة كل ما في وسعها لتحقيق هذا الهدف، والتقت بمحافظ المنيا، كما حاولت مقابلة نيافة الأنبا بفنوتيوس أسقف سمالوط، إلا أن الكهنة والسكرتارية والعاملين حالوا دون وصولها إليه حتى الآن.
 
وفي المقابل، استقبلهم نيافة الأنبا الأنبا مكاريوس بكل ترحاب وتعاطف، إلا أنه، للأسف، لم يتمكن من توفير فرصة العمل المطلوبة.
 
إنها صرخة أرملة تبحث عن الكرامة، وأطفال ثلاثة أكبرهم في العاشرة وأصغرهم في الرابعة  يبحثون عن مستقبل، وأسرة تطلب حقًا مشروعًا في الحياة لا أكثر.
 
فهل تجد هذه الصرخة آذانًا صاغية وقلوبًا رحيمة  تستجيب لها ؟