خالد منتصر
حضرت يوم الأحد الماضي احتفالية فوز الروائي أشرف العشماوي بجائزة الشيخ زايد عن روايته أو مجموعة نوفيلاته «مواليد حديقة الحيوان»، الاحتفالية أقامتها الدار المصرية اللبنانية، وحضرها جمع كبير من الروائيين والمثقفين ومحبي أشرف، الجائزة تتويج لمسيرة جادة للروائي، الذي تنقل في رواياته بين عدة أساليب فنية مختلفة، لكنه لم يتنازل في أي منها عن رهان المتعة، التي أحياناً ينساها الروائيون أو يتناسونها عمداً في زحمة عرض الأفكار قبل نحت الشخصيات التي من لحم ودم.

وأنا في الطريق لتلك الاحتفالية كان يشغلني سؤال مؤرق، كيف استطاع أشرف العشماوي التوفيق بين منصة القضاء، وساحة الرواية؟ فهي مهمة في غاية الصعوبة، وصراع مزمن ومقلق، فالقاضي مطالب بأن يحكم، والروائي مطالب بأن يفهم، القاضي يحكم بالإدانة، والروائي يفهم ما خلف تلك الإدانة، القاضي يشغله هاجس مَن المذنب، ومَن القاتل، الروائي يشغله الدافع والعوامل النفسية والاجتماعية التي شكلت شخصية هذا المذنب.

لم أعرف روائيين أو أدباء تمسكوا بمنصة القضاء، جنباً إلى جنب مع كتابة الرواية، عرفت وكلاء نيابة كتبوا أدباً مثل توفيق الحكيم وفتحي غانم، لكنهم لم يكملوا المسيرة حتى النهاية، مثل أشرف العشماوي، وعرفنا محمود سعيد القاضي، لكنه في مجال الفن التشكيلي، وأعتقد أنه حتى في الروائيين العرب فهم ندرة، ذاكرتي ليست فيها أسماء كثيرة، هناك روائي عراقي وهو فؤاد التكرلي، وآخر أردني وهو سمير القضاة، لكن تجربة أشرف أكثر ثراء وعمقاً، نجح أشرف العشماوي في خلع الروب الأسود وهو يكتب رواياته، لم يحول رواياته إلى محاضر بوليسية أو ملفات باردة، لكنه حولها إلى حياة من لحم ودم، المحكمة أكبر مسرح روائي.

أشرف العشماوي استطاع بذكاء أن يرصد كل مفردات هذا المسرح الإنسانية، منذ أن كتبت عن أولى رواياته «زمن الضباع»، والتي ظُلمت بصدورها في ظل أحداث يناير، ظلمها التوقيت، وظلمتها القراءة الأتوماتيكية الباردة، التي تبحث عن ترجمات الرموز، قبل أن تقرأ الرواية وتفاصيلها بعين القارئ لا المتربص، بعدها كتبت عن السرعة القصوى صفر، وبيت القبطية، وتذكرة وحيدة للقاهرة، وصالة أورفانللي، والسيمفونية الأخيرة، وسأعيش الأيام القادمة مع «مواليد حديقة الحيوان».

أود أن أشير أيضاً إلى الشكل المؤسسي الذي لمسته في التعامل مع فن الرواية داخل الدار، فالناشر هنا ليس موصلاتي إلى المطبعة، ولكن لديه محرر، وناقد وقارئ داخلي، ويحدث دائماً نقاش، لتخرج الرواية في شكلها النهائي، بعد حوار فني في منتهى الرقي والجدية، وهذا شكل أتمنى أن تسلكه جميع دور النشر المصرية، حتى نتخلص من فوضى الصراع بين المبدع ودور النشر.

أشرف العشماوي استطاع في مسيرته حل المعادلة الصعبة، الجدية مع الرواج الجماهيري، وأتمنى أن تنتبه شركات الإنتاج الدرامي والسينمائي إلى فن الرواية، وإلى روايات أشرف العشماوي التي لا بد أن ترى النور، لتزداد جماهيرية فن الرواية، الذي وصل في مصر لآفاق رائعة، لكنه لم يترجم بعد لقراءة شعبية عريضة.
نقلا عن الوطن