نادر شكري
منذ الإعلان عن إحياء مشروع مسار العائلة المقدسة في مصر، باعتباره مشروعًا وطنيًا كنسيًا ذا أهمية عالمية، والكنيسة القبطية، بالتنسيق الكامل مع الدولة المصرية، تتحرك بخطوات متواصلة لإنجاح هذا المشروع الذي يمثل أحد أهم الملفات السياحية والروحية والثقافية في تاريخ مصر الحديث. فالمشروع لا يتعلق فقط بمسار ديني، بل بتاريخ ممتد، وكنائس وأديرة عاشت داخلها واحدة من أهم الرحلات المقدسة في التاريخ المسيحي، وتحولت بمرور الزمن إلى جزء أصيل من الهوية المصرية.
وعلى مدار السنوات الماضية، جرى العمل على تطوير العديد من نقاط المسار الـ25 المعتمدة رسميًا، تمتد لمسافة تزيد عن 3500 كيلومتر ذهاباً وإياباً، وتتوزع هذه النقاط على 8 محافظات، وتم انجاز العديد من النقاط بالتنسيق بين الكنيسة والحكومة المصرية.
لكن، وكما يحدث دائمًا مع أي مشروع يحمل في داخله فرصًا اقتصادية وعوائد مالية ضخمة، تبدأ معارك النفوذ مبكرًا، وتظهر أطراف تتعامل مع المشروع باعتباره “تورتة” جديدة يجب اقتسامها. بعض هذه الأطراف يتحرك بالفعل بدافع وطني ورؤية جادة لخدمة المشروع، بينما يتحرك البعض الآخر بعقلية “السبوبة”، ومحاولة فرض السيطرة والاستحواذ وتوزيع المصالح، بعيدًا عن الهدف الأساسي للمشروع، الذي يقوم في جوهره على الحفاظ على روحانية الأماكن المقدسة وتقديم مصر بصورة حضارية تليق بتاريخها.
• مشروع قانون غامض
وفي خضم هذا المشهد، فوجئ الجميع بطرح مشروع قانون داخل مجلس النواب لإنشاء هيئة عليا لإدارة مشروع مسار العائلة المقدسة، تقدم به أحد النواب مدعومًا بتوقيعات عدد من زملائه، علما اننا لم نسمع ان النائب سبق وتدخل في اى أمور سابقة متعلق بالشأن الكنسي ونقاط المسار طوال السنوات الماضية،او حتى لم يقدم اى دراسة حول المشروع واشكالياته ، بل إن أغلبية مطارنة وأساقفة المواقع المرتبطة بالمسار لا يتقابلوا معه ولم يسمعوا عن مشروع القانون قبل طرحه.
وفجأة، وجدنا مشروعًا يحمل في ظاهره عبارات براقة عن التنمية والاستثمار والتطوير، لكنه في داخله يحمل ما يشبه “السم في العسل”، ويطرح تساؤلات خطيرة حول أهدافه الحقيقية، ومن يقف وراءه، وما إذا كان الأمر يتعلق فعلًا بتطوير المشروع، أم بمحاولة إعادة تشكيله تحت سيطرة مجموعة من أصحاب المصالح والنفوذ.
تجاهل الكنيسة.. بداية أزمة حقيقية
الأزمة الحقيقية في مشروع القانون لا تتوقف فقط عند بعض البنود المثيرة للجدل، بل تبدأ من الطريقة التي تم بها إعداد المشروع والتعامل معه. فالكنيسة القبطية، صاحبة الحق التاريخي والروحي والأثري في مواقع المسار من كنائس وأديرة، جرى تجاهلها بشكل كامل، ولم يتم عرض المشروع عليها أو مناقشته معها أو حتى الاستماع إلى رؤيتها وملاحظاتها قبل طرحه داخل البرلمان.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
كيف يتم إعداد مشروع قانون يتعلق مباشرة بمواقع كنسية مقدسة دون الرجوع إلى الكنيسة ذاتها؟
فالكنيسة القبطية ليست طرفًا هامشيًا في هذا المشروع حتى يتم تجاوزها بهذا الشكل، بل هي أساس المشروع وجوهره، وهي التي تحملت لعقود طويلة مسؤولية الحفاظ على هذه المواقع وصيانتها وترميمها، وهي التي تروج لمصر في الخارج باعتبارها بلدًا يحتضن واحدة من أهم الرحلات المقدسة في التاريخ المسيحي.
ويكفي أن قداسة البابا تواضروس الثاني في كل زيارة خارجية يضع مصر في قلب رسالته وحديثه دائما أينما ذهب ويروج لكافة معالمها السياحية.
لكن رغم كل ذلك، مر مشروع القانون من رئاسة البرلمان إلى لجنة السياحة دون علم الكنيسة أو المتخصصين الحقيقيين في هذا الملف، ممن أمضوا سنوات طويلة في العمل على تطوير المسار ومعالجة مشكلاته والتنسيق مع المحافظات والوزارات المختلفة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمجاملة شكلية للكنيسة، بل بحق أصيل في المشاركة وصناعة القرار، لأن أي رؤية تتعلق بهذه المواقع دون مشاركة الكنيسة ستكون رؤية ناقصة، بل وقد تتحول إلى مصدر صدام وأزمات مستقبلية.
بنود تحمل رائحة “الاستحواذ”
إذا قرأنا بنود مشروع القانون بتأنٍ، سنكتشف سريعًا أن القضية تتجاوز مجرد “تنظيم إداري” أو “تطوير للمشروع”، لتصل إلى محاولة تأسيس كيان يمتلك صلاحيات واسعة على الأراضي والمنشآت والموارد المالية الخاصة بمسار العائلة المقدسة.
وهنا يبرز سؤال منطقي:
لماذا إنشاء هيئة عليا جديدة من الأساس؟
هل يعني ذلك أن الوزارات والجهات القائمة فشلت في أداء دورها؟ وإذا كان هناك تقصير، فأين دور البرلمان في الرقابة والمحاسبة بدلًا من إنشاء هيئة جديدة تضاف إلى عشرات الهيئات والمجالس واللجان الموجودة بالفعل؟
نحن أمام دولة تتحدث يوميًا عن ترشيد الإنفاق وتقليل الأعباء الاقتصادية، فهل الحل دائمًا يكون في إنشاء كيانات جديدة بمقار وميزانيات ورواتب ومجالس إدارات ولجان فرعية؟
الأخطر من ذلك أن مشروع القانون يضع الكنيسة القبطية في ذيل المشهد، رغم أنها الطرف الرئيسي والأصيل في هذا الملف، وكأن المطلوب هو إقصاؤها تدريجيًا من مشروع هي صاحبة تاريخه وروحه وهويته.
رسوم على الكنائس والأديرة؟
تنص المادة الثالثة من مشروع القانون على أن "موارد الهيئة تشمل رسوم الزيارات والخدمات، وعوائد استثمار الأراضي والمنشآت الواقعة تحت ولايتها، إضافة إلى الهبات والتبرعات والإعانات".
وهنا تبدأ علامات الاستفهام الحقيقية، هل المقصود فرض رسوم وتذاكر على دخول الكنائس والأديرة الواقعة ضمن نقاط المسار؟ وهل ستتحول أماكن الصلاة والعبادة إلى مزارات تجارية تخضع لمنطق التذاكر والعوائد المالية؟
الكنائس والأديرة ليست متاحف ولا “مولات” سياحية، بل أماكن مقدسة تُقام فيها الصلوات والشعائر الدينية يوميًا، وبعضها يضم شعبًا كنسية تعيش وتمارس حياتها الروحية داخل هذه المواقع.
كما أن الحديث عن “الهبات والتبرعات والإعانات” يثير تساؤلات أخرى أكثر حساسية: هل يمكن مستقبلًا أن تمتد يد الهيئة إلى تبرعات الكنائس والأديرة باعتبارها جزءًا من المشروع؟ وهل تصبح الموارد المالية الخاصة بهذه المواقع خاضعة بشكل أو بآخر لسلطة الهيئة الجديدة؟
كل هذه الأسئلة كان من الممكن الإجابة عنها بوضوح لو تم الحوار مع الكنيسة قبل طرح المشروع، لكن تجاهل الكنيسة فتح الباب أمام الشكوك والمخاوف والتأويلات.
أزمة الأراضي.. أخطر ما في المشروع
إذا كانت المادة الثالثة تثير القلق، فإن المادة السادسة تكشف عن أخطر ما في مشروع القانون، إذ تنص "على نقل تبعية الأراضي والمنشآت السياحية الواقعة في نطاق نقاط المسار إلى الهيئة الجديدة"
وهنا تظهر أزمة حقيقية وخطيرة.
ما المقصود بالأراضي الواقعة في نطاق المسار؟
وما حدود هذه الأراضي؟
وهل تشمل أراضي تابعة للكنائس والأديرة؟
فالعديد من الأراضي المحيطة بنقاط المسار مملوكة بالفعل للكنيسة أو للأديرة أو للأقباط، فهل يمكن أن تمتد سلطة الهيئة الجديدة إلى هذه الأراضي تحت دعوى “التطوير” أو “التنظيم”؟
ثم ما طبيعة المشروعات التي ستقام مستقبلًا على هذه الأراضي؟ وهل ستكون مشروعات تحافظ على روحانية وقدسية المواقع؟ أم سنجد أنفسنا أمام استثمارات تجارية وفندقية ومولات ومطاعم تحاصر الأديرة والكنائس وتغيّر طبيعتها الهادئة والروحية؟
الأمر هنا لا يتعلق فقط بحقوق ملكية، بل بطبيعة الأماكن المقدسة نفسها، التي لا يمكن التعامل معها بعقلية الاستثمار التجاري البحت.
هل تتحول الهيئة إلى أداة للهيمنة؟
الأخطر أيضًا أن مشروع القانون يمنح الهيئة صلاحيات لتأسيس شركات مساهمة أو الدخول شريكًا في شركات قائمة.
وهنا يعود إلى الأذهان ما شهدته مصر في تجارب كثيرة سابقة، حين تحولت بعض الهيئات والمشروعات الكبرى إلى أبواب خلفية للنفوذ وتقاسم المصالح، عبر شركات يتم تأسيسها بأسماء مختلفة لكنها في النهاية تخدم مجموعة محددة من الأشخاص.
ولهذا يصبح التخوف مشروعًا:
هل الهدف الحقيقي هو تطوير المشروع؟
أم صناعة كيان اقتصادي جديد يملك سلطة الأراضي والتراخيص والاستثمارات والتعاقدات؟
وهل سنجد أنفسنا بعد سنوات أمام شبكة من الشركات والمنتفعين الذين يحتكرون المشروع ويوزعون “التورتة” فيما بينهم؟
هذه المخاوف ليست خيالًا أو مبالغة، بل نابعة من تجارب سابقة عاشها الناس ورأوا كيف تتحول بعض المشروعات القومية إلى ساحات صراع ومصالح وعمولات.
الكنيسة لا ترفض الحوار
في المقابل، فإن الكنيسة القبطية لم تكن يومًا ضد التطوير أو التعاون مع الدولة، بل على العكس، لعبت دورًا رئيسيًا في تطوير مواقع المسار وترميمها والحفاظ عليها بجهود ذاتية، إلى جانب التنسيق الكامل مع المحافظات ووزارات الدولة المختلفة.
كما أن الكنيسة لم ترفض يومًا الحوار أو النقاش أو أي أفكار تخدم المشروع، لكنها ترفض أن يتم تجاوزها أو فرض رؤية عليها تتعلق بمواقع مقدسة تخصها تاريخيًا وروحيًا. فالكنيسة وحدها تدرك الطبيعة الطقسية والروحية لهذه الأماكن، وتعرف كيف يمكن تطويرها دون الإضرار بهويتها وقدسيتها.
مشروع وطني لا يحتمل صراعات المصالح
في النهاية، فإن مشروع مسار العائلة المقدسة ليس مجرد مشروع سياحي عادي، بل مشروع حضاري وروحي وثقافي يعكس صورة مصر أمام العالم كله.
والسائح الذي يأتي لزيارة مسار العائلة المقدسة لن يزور الكنائس فقط، بل سيزور العديد من الأماكن السياحية مثل المتحف المصري والأهرامات والمناطق الأثرية والمدن السياحية والشواطئ، ما يعني أن المشروع يخدم السياحة المصرية بالكامل، وليس الكنيسة وحدها.
ولهذا فإن نجاح المشروع يحتاج إلى رؤية مشتركة حقيقية بين الدولة والكنيسة، تقوم على الحوار والتنسيق والاحترام المتبادل، لا على فرض الهيئات وخلق الصدامات وفتح أبواب المصالح.
وإذا كانت هناك بالفعل حاجة إلى كيان إداري منظم لإدارة المشروع، فيجب أن يتم ذلك عبر حوار واضح ومشاركة حقيقية مع الكنيسة، وبضمانات تحافظ على قدسية المواقع وروحانيتها، وتمنع تحويل المشروع إلى ساحة استثمار وصراع نفوذ.
ويبقى السؤال الأهم:
هل الهدف حماية مشروع مسار العائلة المقدسة وتطويره لصالح مصر؟
أم إعادة توزيعه كـ”تورتة” جديدة بين أصحاب المصالح والنفوذ؟





