(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
[على هامش "يوم الصداقة" بين الكنيستَيْن القبطيّة الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة (10 مايو/أيّار من كلّ عامٍ)، أُقدّم هنا الجزء الأوّل من مقالٍ قد سَبَقَ ونُشِر في "مجلّة الصلاح"، بعدد يوليو-أغسطس لعام 2023.
ولقد تمّتْ في هذا العام، الزيارةُ التاريخيّة التي قام بها الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، إلى أخيه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وخليفة القدّيس بطرس (الـ10 من مايو/أيّار للعام 2023). وكانت بدورها زيارةً للاحتفال بمرور خمسين عامًا على لقاءٍ تاريخيّ آخر قد جَمَعَ بين قداسة البابا بولس السادس وقداسة البابا شنودَه الثالث في حاضرة الفاتيكان، في يوم الخميس الموافق 10 مايو/أيّار للعام 1973].
أوّلًا: لقاءٌ تاريخيّ
لقد مرّت بضعة شهور على الزّيارة التي قام بها الأنبا تواضروس الثّاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، إلى أخيه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وخليفة القدّيس بطرس، في الـ10 من مايو/أيّار للعام 2023. وقد شاهدها أو قرأ عنها أو سمع بها الكثيرون منّا؛ وتناول المتخصّصون والمحلّلون والصّحافيّون جوانب تاريخيّة وتعليميّة عدّة متعلّقة بهذه الزّيارة التّاريخيّة في العصر الحديث؛ منها– على سبيل المثال: لماذا هي تاريخيّة؟ وما مدى أهمّيّتها؟ وما هو محتواها؟ وما هي أبعادها؟ ويعرف الكثيرون منّا أنّ هذا اللّقاء التّاريخيّ الحديث جاء للاحتفال معًا بمرور خمسين عامًا على لقاء تاريخيّ آخر قد جمع بين قداسَة البَابَا بولس السَّادس وقداسَة البَابَا شنودَه الثّالِث في حاضرة الفاتيكان، في يوم الخميس الموافق 10 مايو/أيّار للعام 1973، وهو أوّل لقاء بين أسقف روما وبطريرك الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة منذ القرن الخامس الميلاديّ، والذي تُوِّج بدوره بالتّوقيع على "بيان مشترك" حول أمور كنسيّة وتعليميّة وعقائديّة هامّة (كـ"الإعلان-الاتفاق الكريستولوجيّ المشترك"). وكذلك أيضًا لتذكُّر عشرة أعوام على اللّقاء الأوّل بين قداسة البابا فرنسيس وقداسة البابا تواضروس الثّاني، في حاضرة الفاتيكان أيضًا، في يوم الجمعة الموافق 10 مايو/أيّار للعام 2013، وقد جاء بعد أشهر قليلة من انتخابهما كقائدَين لكنيستَيهما، مُذكِّرًا بخمسينيّة اللّقاء التّاريخيّ الأوّل المذكور أعلاه.
ولقد تمَّ هذا اللّقاء الأخير ذو الذّكرى المزدوجة في ساحة القدّيس بطرس، في يوم الأربعاء الموافق 10 مايو/أيّار للعام 2023، يوم الاحتفال بـ"يوم الصّداقة" بين الكنيستَين القِبطيّة الأرثوذكسيّة والكَاثوليكيّة بجميع مكوّناتها. وخاطب البابا تواضروس الثّاني أخيه خليفة القدّيس بطرس والشّعب المسيحيّ بكلمات عميقة متعلّقة بالتّعاليم المسيحيّة الأصيلة وعراقة وتاريخيّة العلاقات بين الكنيستَين؛ وقام البابا فرنسيس بدوره بإلقاء كلمات أخرى عميقة للتعليق على كلمات أخيه خليفة القدّيس مرقس. وقد لاحظ الجميعُ التّناغم والتّوافق الشّديدين بين شخصيّتهما وفكرهما وحديثهما.
لا يمكن لأحد من الحاضرين لهذا اللّقاء التّاريخيّ، أو المتابعين له عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أن ينكر تاريخيّته وأهمّيّته وتأثيره. وقد علّق الكثيرون– من المسيحيّين وغير المسيحيّين– عن مدى تأثُّرهم بهذا اللّقاء الأخويّ المفعم بتعبيرات المحبّة والتّواضع والأخاء والتّقارب؛ وشهد الجميع أنّ هذا هو ما يريده السّيّد المسيح من أتْباعه وأتْباع الأديان الأخرى. ولكن، وعلى نحو آخر، راح بعضهمُ (من الكَاثوليك والأرثوذكس، ومن الإكليروس وشعب المؤمنين، ومن المتخصّصين وغير المتخصّصين) يشكّون ويشكّكون في أهمّيّة هذا اللّقاء التّاريخيّ وفاعليّته وجَدْواه؛ وأقلّ ما قِيل عنه من لدن المشكّكين هو أنّه زيارة عقيمة وغير مجدية.
وحتّى لا نطيل، نقول إنّ التّساؤلات المحوريّة التي يدور حولها مقالنا الموجز هذا هي التّالية: هل تغيّر أو سيتغيّر شيءٌ ما بعد هذا اللّقاء التّاريخيّ؟ هل من مستقبل باهر وثمار مرتجاة له؟ هل ستتّحد الكنيستان العريقتان أخيرًا في تعاليمهما وممارستهما؟ هل سنضحى مباشرةً كنيسة واحدة في مصر؟
ثانيًا: لمحةٌ تاريخيّة حول مضامين البيانات المشتركة الكَاثوليكيّة-القِبطيّة
في ما يتعلّق بتقرُّب الكنيسة الكَاثوليكيّة إلى جميع الكنائس والطّوائف والجماعات المسيحيّة، ينبغي القول بأنّه كثير ومتعدّد الجوانب. فالكنيسة الكَاثوليكيّة، بفضل إصغاءها لنفحات الرّوح القدس وقراءتها لعلامات الأزمنة، رائدة ومتمرِّسة وخبيرة في الحوار بشتّى أنواعه وطرقه. فكبرهان لهذا تكفي قراءة سريعة لوثائق المجمع الفاتيكانيّ الثّاني (1962-1965)، والمجلّدات الكثيرة باللّغات الأجنبيّة عن الحوار المسكونيّ بين الكنيسة الكَاثوليكيّة والكنائس والجماعات المسيحيّة الأخرى. إنّها لمغالطة كبيرة وسقطة القول بعكس ذلك.
أمّا عن المسيرة المشتركة ومحاولات تقارب وتفاهم الكنيسة الكَاثوليكيّة مع الكنيسة القِبطيّة الأرثوذكسيّة، في العصر الحديث، فهي واضحة للغاية، فمن ضمنها مثلًا "البيان المشترك" الذي وَقّع عَليه قداسَة البَابَا بولس السَّادس وقداسَة البَابَا شنودَه الثّالِث" (في عام 1973)، و"البيان المشترك" الذي وَقّع عَليه قداسَة البَابَا فرنسيس وقداسَة البَابَا تواضروس الثّاني (في عام 2017)، وأيضًا لجنة الحوار بين الكنيستَين كما يقول "البيان المشترك" الأوّل المذكور أعلاه، ومجلس الكنائس المصريّة، ومبادارت أخرى متنوّعة.
وإذا أَرَدنا أن نختصر مضامين البيانات المشتركة الكَاثوليكيّة-القِبطيّة (للعامين 1973 و2017) بشأن تَفَاهمات كنسيّة وتعليميّة وعقائديّة متنوّعة، وهو ما يحتاج بدوره إلى قراءة متأنيّة وتأمليّة، يمكننا أن نكتفي بالإشارة إلى ثلاث قضايا هامّة:
1. الإيمان الكريستولوجيّ المشترك: «نؤمن أن ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الكلمة المتجسد، هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته. وجعل ناسوته واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا تشويش، ولاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. وفي نفس الوقت، نحرم كلّا من تعاليم نسطور وأوطاخي» ("البيان المشترك" لعام 1973).
2. المفاهيم السّرائريّة والمريميّة والإكليزيولويجيّة والرّوحانيّة والطّقسيّة والإسكاتولوجيّة: «نؤمن معًا أن الحياة الإلهية تُمنَح لنا بواسطة أسرار المسيح السبعة في كنيسته، وأن تلك الحياة الإلهية تنمو فينا وتغتذي بهذه الأسرار: وهي المعمودية، الميرون (التثبيت)، الإفخارستيا (القربان المقدس)، التوبة، مسحة المرضى، الزيجة، الكهنوت. ونحن نكرم العذراء مريم، أم النور الحقيقي، ونعترف أنها دائمة البتولية، وأنها والدة الإله، وأنه تشفع فينا وأنها بصفتها والدة الإله (ثيئوتوكوس) تفوق في كرامتها كرامة جميع الطغمات الملائكية. ونحن لنا إلى حد كبير مفهوم واحد للكنيسة، وأنها مؤسّسة على الرسل، وللدور الهام الذي للمجامع المسكونية والمحلية. ولنا معًا روحانيتنا التي تعبّر عنها طقوسنا خير تعبير، كما يعبّر عنها القداس الإلهي تعبيرًا عميقًا لأن القداس هو مركز وجوهر عبادتنا الجماعية، وهو قمة اتحادنا وشركتنا مع المسيح في كنيسته. ونحن نحفظ الأصوام والأعياد التي يأمرنا بها ديننا. ونكرم ذخائر القديسين، ونستشفع بالملائكة وبالقديسين الأحياء منهم والمنتقلين. هؤلاء يؤلّفون سحابة من الشهود في الكنيسة. وهم ونحن ننتظر– في رجاء– المجيء الثاني لربنا، عند استعلان مجده ليدين الأحياء والموتى» ("البيان المشترك" لعام 1973).
3. قضيّة المعموديّة: «نحن اليوم، البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني، لكي نسعد قلب ربنا يسوع، وكذلك قلوب أبنائنا وبناتنا في الإيمان، فإننا نعلن، وبشكل متبادل، بأننا نسعى جاهدين، بضمير صالح، نحو عدم إعادة سر المعمودية الذي تمَّ منحه في كلٍّ من كنيستينا لأي شخص يريد الانضمام للكنيسة الأخرى. إننا نقرُّ بهذا طاعةً للكتاب المقدس ولإيمان المجامع المسكونية الثلاثة التي عُقدت في نيقية والقسطنطينية وأفسس. نسأل الله الآب أن يقودنا، في الأوقات وبالطرق التي سيختارها الروح القدس، نحو بلوغ الوحدة التامة في جسد المسيح السري» ("البيان المشترك" لعام 2017).
[يُتبَع]





