من وحي قراءات الأحد الرابع من الخمسين المقدّسة:
القمص يوحنا نصيف
إنّ مجد القيامة ليس فقط للعَرْض، أو الافتخار بشِعار "المسيح قام"، أو لمجرّد المشاهدة من بعيد، أو حتّى للرؤية عن قُرب.. بل الحقيقة أنّ مجد القيامة هو مُقدَّم لنا نحن المؤمنين، لكي نقتنيه فيصير فينا ونتمجّد به.. بمعنى أنّه إذا كان في القيامة وغلبة الموت مجد عظيم.. فإنّ هذا المجد في متناول أيدينا، يمكننا أن نحصل عليه ونتمجّد به، أي يظهر هذا المجد في حياتنا.. كيف يحدث هذا؟!
يقول معلِّمنا بولس الرسول في رسالة تسالونيكي الثانية: "وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ. الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ..." (2تس2: 13-14) فدعوتنا هي لاقتناء مجد ربِّنا يسوع المسيح.. هذا شيء مُذهل؛ أن نكون نحن البشر الترابيون في إمكاننا أن نقتني مجد ربنا يسوع المسيح.. كيف نقتني هذا المجد؟ مجد القيامة؟ مجد الحياة الجديدة التي لا يغلبها الموت؟!
هناك على الأقل سبع وسائل، أو لنقُل سبعة مفاتيح لاقتناء هذا المجد العظيم، مجد القيامة:
1- الإيمان.. هذا هو المفتاح الرئيسي كما يؤكِّد ربنا يسوع: "آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور.. أنا قد جئت نورًا إلى العالم، حتّى كل مَن يؤمن بي لا يمكث في الظلمة.." (يو12: 36، 46) أي مطلوب مِنّا الإيمان بهذا النور وهذا المجد العظيم.. بمعنى أن نقتنع أنّ مجد ونور المسيح أهمّ وأعظم وأبقى من أمجاد وأنوار العالم.. فنسعى وراءه ونتمسّك به بكلّ قلوبنا..!
2- حفظ الوصايا.. كما كشف لنا السيِّد المسيح: "إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد" (يو8: 51)، ويتحدّث عن الآب فيقول: "وأنا أعلم أنّ وصيّته هي حياة أبديّة" (يو12: 50).. فمجد المسيح، مجد القيامة، مُخَبَّأ في الوصيّة المقدّسة.. إن حفظناها، وأحببناها، وسلكنا بها وفي نورها، نقتني مجد القيامة.. بمعنى أنّ تكون الوصيّة أهمّ في نظرنا من أي أفكار أخرى في العالم؛ وحاضرة أمامنا باستمرار نسير على ضوئها كل خطواتنا.. الحياة الأبديّة موضوعة داخل الوصيّة فمَن يحفظ الوصيّة يقتني الحياة التي لا يغلبها الموت أبدًا..!
3- رفض أمجاد العالم، وبالتحديد مجد الناس.. فقبول المجد والكرامة من الناس مُعطِّل خطير يحرمنا من اقتناء مجد ربنا يسوع المسيح.. وفي إنجيل يوحنّا إشارة لبعض الأشخاص الذين أخفوا إيمانهم ولم يجاهروا به "لأنّهم أحبُّوا مجد الناس أكثر من مجد الله" (يو12: 43) ومثل هؤلاء يقول عنهم الرب يسوع: "كل مَن يعترف بي قدّام الناس أعترف أنا أيضًا به قدّام أبي الذي السموات، ولكن مَن ينكرني قدّام الناس أنكره أنا أيضًا قدّام أبي الذي في السموات" (مت10: 32-33). كما يعطينا أيضًا نفسه مثالاً في رفض مجد الناس عندما يقول: "مجدًا من الناس لست أقبل" (يو5: 41)، ويؤكِّد أنّ قبول المجد من الناس يحطِّم الإيمان فيوبِّخ الفرِّيسيين قائلاً: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟!" (يو5: 44) هكذا يتّضح لنا أن رفض مجد الناس هو شرط رئيسي لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح.
4- المواظبة على التناول.. كما يؤكِّد السيِّد المسيح: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم.. كما أرسلني الآب الحي، وأنا حيّ بالآب، فمَن يأكلني فهو يحيا بي. هذا هو الخبز الذي نزل من السماء.. مَن يأكل من هذا الخبز فإنّه يحيا إلى الأبد.." (يو6: 53-58) فمن أهمّ الوسائل لاقتناء مجد القيامة أن نواظب باستمرار على التناول من خبز الحياة، جسد المسيح ودمه.. فتسكن فينا الحياة، وتسكن فينا الطهارة.. ويتحقّق فينا قول المزمور: "ليسكن المجد في أرضنا" (مز85: 9).. أي ليسكن المجد الإلهي في حياتنا..!
5- السلوك بالمحبّة والتمسُّك بها.. فالمحبّة هي جوهر الوصيّة.. والذي يبتعد عن المحبّة يتغرّب عن الله، وبالتالي يبتعد تمامًا عن اقتناء مجده.. لذلك يوصينا الإنجيل دائمًا أن "نحبّ بعضنا بعضًا" (1يو4: 7) لكي يثبت الله فينا، وتمتلئ قلوبنا من محبّته ومن مجده..
6- احتمال الضيقات.. فالطريق إلى المجد به الكثير من المتاعب والمضايقات، التي يثيرها الشيطان ضد أولاد الله، لأنّه يكرههم ويحسدهم، ويريد أن يحرمهم من استكمال الطريق إلى المجد الأبدي.. ولكن أولاد الله يفهمون أنّه "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله" (أع14: 22). والواقع أنّ تكريم الناس لنا لا يدوم بل أحيانا ينقلب بسرعة إلى عداوة وشرّ واضطهاد (أع14: 11-19)..! ولكن لأن أولاد الله لا يهتمون أصلاً بتمجيد الناس لهم، بل ويرفضونه.. لذلك فهم يركِّزون على تأدية رسالتهم وتقديم محبّتهم والقيام بأعمالهم البنّاءة بشكل مستمرّ حتّى النهاية، مهما كانت المضايقات أو الأتعاب التي يلاقونها..!
7- الصّبر.. وهذه فضيلة نحتاجها جدًّا، ويلزم لنا أن نطلبها من الله باستمرار، لكي نستطيع أن نحتمل الضيقات.. متمثّلين بالرب يسوع الذي احتمل بصبر كلّ الآلام، فكانت هي الطريق إلى القيامة والمجد..
الرب يسوع الذي دعانا لاقتناء مجد قيامته، هو قادر أن يهدي قلوبنا إلى محبّة الله وإلى صبر المسيح (2تس3: 5)، ويسندنا بنعمته في جهادنا، لكي خلال هذه المفاتيح السبعة نقتني مجد ونور القيامة، ويسكن المجد في أرضنا إلى الأبد..!!





